الصفحة 77 من 97

ويحلل العقاد موقف عمر -رضي الله عنه- حينئذ بقوله: فالمحنة أعظم مما تطيقه الحميّة العمرية بغير وازع من هداية نبوة ولأيامًا (1) سكنت نفسه واطمأنت إلي حكمة سيده ومعلمه وهاديه. ولا سيما حين ناداه: (ابن الخطاب! إني رسول الله ولن يضيعني الله أبدًا) ، هذه المراجعة كانت من خلائق عمر التي لا يحيد عنها ولا يأباها النبي صلى الله عليه وسلم، فلا جرم يراجع النبي في كل عمل أو رأي لم يفهم مأتاه ومرماه ما أمكنته المراجعة، وما قلقت خواطره حتى تثوب إلى قرار (2) .

تعليق:

الموقف هنا غاية في الصعوبة رؤية عمرية قصيرة المدى تعتمد على المنطق، كيف يرد النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا جاء مسلمًا إلى معسكر الشرك في مكة؟!!

ورؤية نبوية بعيدة مستمدة من الوحي حيث كان الخير في رده وقد جاءت الأحداث ليصبح من دخل في الإسلام وردهم النبي ورفض دخولهم المدينة تنفيذًا لصلح الحديبية فإذا بهم يشكلون قوة أخذت تقطع الطريق على تجارة قريش حتى وصل الأمر بطلب قريش من النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبلهم وكان ذلك بداية لانفراط عقد الحديبية، ومن ثم فتح مكة.

ومن الدروس المستفادة هنا أن الراعي تكون له رؤية شاملة بعيدة وإذا اختلف أحد أبناء الرعية في الرؤية، فالحوار والنقاش بغية التعلم هو الطريق الأمثل، وفي كل الحالات طاعة الفرد لرأي الجماعة أمر واجب طالما كان المنهج الإسلامي هو الإطار الذي يلتزم به الجميع.

وصدق الله العظيم حين قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء: 59]

7-طموحات إيمانية:

(1) - لأيامًا: اللأي الشدة والمشقة. يقال فعل ذل بعد لأي، ولأيًا عرفت الشيء، ولأيامًا.

(2) - عبقرية عمر: 108، 109.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت