فهرس الكتاب
ثم إن الدراسات المذكورة أجراها أصحابها كما قال الأستاذ الأعظمي على أصحاب المذاهب المتطرفة التي تحجرت اتجاهاتها على احتقار أجناس وطوائف معينة من البشر ، ونحن لا نعرف بالتحديد نوعية تلك المذاهب المتطرفة ، ولكنها - على الجزم - تختلف في دينها وأخلاقياتها واتجاهاتها عن مبتدعة الملة الإسلامية ، وهذا التفاوت اليقيني كاف في دفع الاستدلال وفساده .
وأرى أن الصواب هو المذهب القائل بعدم قبول رواية المبتدع الداعي لبدعته وإذا كانت روايته في نصرة بدعته (1) ، وليس ذلك إلا في إطار نظرية التثبت الكبرى التي بنى عليها المحدثون نظرياتهم في نقد الأحاديث ، والاحتياط سمة ظاهرة في كل التصرفات النقدية عند المحدثين ، أما ما ورد في الصحيحين من الرواية عن بعض الدعاة إلى بدعتهم - وإن لم يكن نادرا - فذلك محمول على أن الشيخين - البخاري ومسلم - قد تثبتا في أحاديثهم ووجدوها على الجادة ، أو أنها جاءت من طرق أخرى غير طرقهم ، ولكنهم أوردوها لغرض أو فائدة ما ، وهذا عين الجواب الذي قال في إيراد الشيخين أحاديث المدلسين على صيغة العنعنة ، فالأصل اطراح روايتهم لكن العلماء أحسنوا الظن وحملوا ذلك على أن الشيخين قد اطلعا على طرق صرح فيها أولئك بالتحديث ولا بد .
ويظهر لي - والله أعلم - أن البخاري ومسلما قد تعمدا إيراد أحاديث المبتدعة الدعاة وغير الدعاة لتكون الحجة فيها أوثق على سائر الطوائف والمذاهب جريا على مقولة: والفضل ما شهدت به الأعداء .
ولهذا أيضا - والله أعلم - كتب لهذين الشيخين من الإجماع والتواطؤ على الإذعان ما لم يكتب لغيرهما .
(1) اعتبر بعض المحدثين ضرورة ألا تكون رواية المبتدع في بدعته ، قاله الجوزجاني وأيده ابن حجر العسقلاني ، انظر: نزهة النظر شرح نخبة الفكر لابن حجر ص 53 ، وانظر أيضا منهج النقد في علوم الحديث .نور الدين عتر ص76 .