الصفحة 29 من 46

ولقد ظن أصحاب المنهج الأوروبي أن المسلمين على شاكلتهم في الافتقار إلى المعلومات عن رواة الأخبار والوقائع . يقول سينوبوس:"وهذا البحث عن المشاهد الأصلي ليس غير معقول من الناحية المنطقية ، فمجامعي الروايات العربية القديمة تعطي أسانيد الرواية لكننا في الواقع العملي نفتقر دائما تقريبا إلى معلومات عن السند تصعد بنا إلى المشاهد الأصلي" (1) .

لذلك اضطر أصحاب هذا المنهج إلى تجشم الإجابة على تلك الأسئلة التخمينية لاستلهام أية قرائن تفيد أمانة الراوي ودقته في ضبط الواقعة .

والواقع أن منهج المحدثين في النقد أكثر وضوحا وصرامة . فالراوي الذي يروي الواقعة تكون مؤلفات الجرح والتعديل في الغالب قد استوفت ذكر عدالته وضبطه ( أي أمانته ودقته كما يقول سينوبوس ) بل إنها تتعرض لتفاصيل أكثر دقة مما يتخيل المنهج الأوروبي ، مثل كيفية روايته للواقعة، ومستوى ضبطه لمجموع ما يروي ، إلى أمور أخرى تند عن الحصر .

فإذا انعدمت المعلومات عنه ، فإن صرامة المنهج تعتبره مجهولا لا يقبل خبره ولا يوثق بروايته ، حتى لو كان معروفا باسمه وشخصيته ، لكنه مجهول الحال (أي العدالة والضبط) فإنهم يترددوا في قبول روايته كما أسلفنا .

وطريقتهم في معرفة عدالة الراوي أي أمانته لا تركن إلى الخرص والبحث على عماية في ثنايا جمل الراوي وعباراته ، بل تعتمد على تنصيص الأئمة على عدالته بما عرف عنه من الديانة والخلق، يقول الأستاذ الأعظمي:"أما طريقة معرفة عدالة الرواة - ما عدا الصحابة - فتتوقف في الأعم الأغلب على تزكية المعاصرين من العلماء الأبرار ، ولا يمكن إخضاعها لمنهج النقد" (2) .

(1) السابق ص139 .

(2) منهج النقد عند المحدثين . محمد الأعظمي . ص42 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت