فهرس الكتاب
ثم إن الخلافات التي جرت بين الصحابة والحروب التي قامت بينهم سبب قوي وعلة دافعة أن يستغل كل طرف عيوب الآخر في التنقيص والذم ، ولم يثبت عن أحد منهم أن اتهم أحدا ( مع حصول العداوة من بعضهم لبعض ) بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أفلا يكون هذا السكوت دليلا على العدم مع قيام الداعي القوي ؟!!
أما القول بوجود النفاق فيهم فهذا ما لا يقوله المحدثون ، لأنهم عرفوا الصحابي بأنه من رأى الرسول صلى الله عليه وسلم مؤمنا به ومات على ذلك ، أي في واقع الأمر .
وقد تأدب الصحابة بأدب القرآن فلم يذكروا أسماء من عرف بالنفاق لا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بعد وفاته ، ولو كان ثمة مصلحة في تعيينهم لعينهم القرآن وأشاع الفضيحة بين الناس بأسمائهم واحدا إثر آخر .
وتجويز النفاق على أي صحابي لا يتفق مع المنهج العلمي في شيء ، لأن مجرد الاحتمال الذي لا يقوم على أساس يسوغ استخدامه في إصدار الأحكام ، وإلا جاز اتهام جبريل نفسه ( عليه السلام ) بالنفاق ، ولا يخفى ما في هذا المسلك من الوهاء والبطلان .
وهؤلاء المتهوكون في صحابة النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر لهم منهج النقد التاريخي الأوروبي خروا له ركعا وسجدا ، وفي هذا المنهج يقرر لانجلوا وسينوبوس أن انتحال الكتب في العصور الوسطى كان عادة جارية مقبولة في أوروبا لا يعاقب صاحبها ، ومع ذلك فالمنهج العلمي لديهم يسوغ الاعتماد على نسخ لا يعرف من كتبها ولا من نسخها ولا من رواها معتمدين على عمايات وظلمات بعضها فوق بعض للوصول إلى أية حقيقة من وراء تلك الوثيقة اللقيطة (1) .
(1) انظر المدخل إلى الدراسات التاريخية . لانجلوا وسينوبوس ص70.