فهرس الكتاب
لماذا لا يعتبر هذا المنهج غير موضوعي بل غير علمي أصلا ، إذ يسوغ الاعتماد على المجهول الذي لا يعرف ، بينما صحابة النبي صلى الله عليه وسلم قد عرفت أسماؤهم وكناهم وفضائلهم ومواليدهم ووفياتهم وكل صغيرة وكبيرة في حياتهم ، فأي الفريقين أولى بقبول الرواية منه والأخذ عنه ؟
ويستدل القادحون في عدالة الصحابة بحديث أنس بن مالك وأبي هريرة وغيرهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر عن أناس سيطردون عن حوضه يوم القيامة وأنهم هم الذين بدلوا وأحدثوا بعده ، وهو حديث متواتر (1) ، ووجوده دليل على عدالة الصحابة وليس قادحا فيها ، فالمتهم لا يقدم دليل اتهامه ، والسارق لا يصطحب في السوق مسروقاته معه ، كما لا يروي الكاذب دليل كذبه .
ضبط الصحابة
يمكننا حصر الكلام في أبي هريرة رضي الله عنه باعتباره الصحابي الذي نال من الهجوم أكثر من غيره (أعني من المستشرقين ومن تبعهم ) .
فإذا أثبتنا ضبط أبي هريرة وحفظه - وهو الذي روى خمسة آلاف حديث كما يقدر بعض المحدثين - فإن حفظ الصحابة الآخرين وضبطهم يكون أمرا مفروغا منه .
وبدءا ينبغي أن نقدر الأمور قدرها ، فالأحاديث التي رواها أبو هريرة رضي الله عنه ليست كلها أقوالا ، بل جزء منها أفعال وتقريرات وهذه يسوغ روايتها بالمعنى ولا تشقى الذاكرة بحفظها لأن حفظ الحدث وحكايته بأي لفظ ليس أمرا خارقا للعادة حتى نتهم به أبا هريرة رضي الله عنه.
وثرثار سفيه في أي مقهى يستطيع أن يحكي عن مواقفه ومواقف أصدقائه الآلاف ويكون صادقا في جميعها ، فكيف لو كان الحاكي أبو هريرة ، والمحكي عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟!
(1) الحديث رواه البخاري (6/2587) ومسلم ( 4/1793) وغيرهما . وقد فسر البخاري من أحدث بعد الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بأنهم المرتدون الذين قاتلهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، انظر صحيح البخاري ( 4/142-143) .