الصفحة 38 من 46

ثم إن حفظ أبي هريرة لهذه الآلاف من الأحاديث ليس بمستغرب أمام حفظ الصحابة لآلاف الأبيات الشعرية وروايتها ، فحفظ أبي هريرة في سياقه طبيعي وعادي بالموازنة مع قدرات أهل جيله وليس أمرا خارقا للعادة كما بينا .

وأهم نقطة في هذه القضية أن الصحابة ثبت عنه اتخاذ موقفين من أبي هريرة:

الأول: تخطئته في بعض الأحاديث ،كما ثبت عن عائشة رضي الله عنها أنها خطأت أبا هريرة في روايته لحديث:"إنما الطيرة في المرأة والدابة والدار"وأن أبا هريرة سمع الحديث مبتورا فرواه على غير وجهه ، ولم تكذبه رضي الله عنها وعنه (1) .

الثاني: أن الصحابة اتهموا أبا هريرة بالإكثار من الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذان الموقفان دليلا واضحان على أمور:

الأول: عدالة أبي هريرة رضي الله عنه وصدقه ، إذ لو كان كاذبا لكذبوه بل لمنعوه من الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

الثاني: أن ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عرفه الصحابة وأقروه عليه ، إذ لو كان يروي حديثا ما سمعه أحد منهم لكان أسهل شيء عليهم أن يقولوا له: كذبت، كلنا لم يسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحديث .

الثالث: على أقل تقدير يقال: إن الصحابة إذا شكوا في حديث رواه أبو هريرة لم يجرءوا على تكذيبه لتسليمهم بأنه كان منقطعا لسماع الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

الرابع: أنا أبا هريرة استمر يروي الحديث حتى مات رضي الله عنه ، وهذه السنون الطوال كافية في أن يختبر الصحابة حديثه ويعرضوه على ما يعرفون ، فلما لم يفعلوا دل على تسليمهم بذلك.

(1) رواه أحمد في المسند (6/246) ، وانظر منهج النقد عند المحدثين . محمد الأعظمي ص78

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت