الصفحة 39 من 46

والمنهج العلمي يقتضي منا القول أن أحاديث أبي هريرة على وجه الخصوص تكتسب مصداقية أكثر من أحاديث بقية الصحابة لأنها كانت محل انتقاد الصحابة في كثرتها ولكنهم عجزوا عن إقامة الدليل على كذبه - مع ثبوت تخطئته في البعض - فيكون مثل ذلك دليلا على حصول إجماع سكوتي على الأحاديث التي رواها أبو هريرة رضي الله عنه .

وبهذا العرض يتبين أن ضبط الصحابة متوافق مع المنهج العلمي (1) ، متناسق مع أصول النقد ، ومع ذلك فالمحدثون قد يشيرون إلى خطأ الصحابي إذا ثبت ذلك بالبينة والبرهان .

وقد وَهَّم الدارقطني رافع بن عمرو المزني رضي الله عنه في قوله:"رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب على بغلة بمنى"، وروى الناس كلهم خطبة النبي صلى الله عليه وسلم على ناقة أو جمل ، ثم قال الدارقطني:"أفيضعف الصحابي بذلك ؟!"كالمستنكر (2) .

ووهمت عائشة رضي الله عنها ابن عمر في تواريخ اعتمار النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال النووي:"سكوت ابن عمر على إنكار عائشة يدل على أنه كان قد اشتبه عليه أو نسي أو شك"وقال ابن حجر:"وفيه دليل على أنه قد يدخل الصحابي الوهم والنسيان لكونه غير معصوم" (3) . ووهم سعيد بن المسيب عبد الله بن عباس في قوله:"تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو محرم" (4) . وهذا التوهيم مع قبول المرويات الأخرى دليل على الضبط والحفظ .

(1) وقد ناقشنا ضبط الصحابة رضوان الله عليهم في أبي هريرة نموذجا لأنه كان راوية الإسلام ، فإذا ثبت الضبط والرعاية من أبي هريرة لمحفوظاته - على كثرتها - فلأن يثبت ذلك من باب أولى في حق الصحابة الذين حفظوا أقل منه .

(2) شرح علل الترمذي لابن رجب ص

(3) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني (3/602) .

(4) منهج النقد عند المحدثين . محمد الأعظمي ص126

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت