الصفحة 41 من 46

وأما الجرح فلا يقبل إلا مفسرا مبين السبب لأن الناس يختلفون فيما يجرح وما لا يجرح ، فيطلق أحدهم الجرح بناء على أمر اعتقده جرحا وليس بجرح في نفس الأمر ، فلا بد من بيان سببه ، لينظر فيه أهو جرح أو لا ، وهذا ظاهر مقرر في الفقه وأصوله" (1) ."

وهذا المذهب هو المشهور كما قال ابن الصلاح وعليه المحققون من نقاد الحديث مثل البخاري ومسلم (2) .

وسبب اشتراط التفسير في الجرح أن بعض أحكام الجرح في نظر النقاد قد لا تكون قادحا ترد به رواية الراوي في الحقيقة ، فمن ذلك أنه قيل لشعبة: لم تركت حديث فلان ؟ فقال:"رأيته يركض على بِرْذَون - حصان هجين غير عربي - فتركت حديثه"! .

ومن ذلك ما ذكروه عن مسلم بن إبراهيم أنه قال في راو:"ما تصنعون به ؟ ذكروه يوما عند حماد فامتخط حماد" (3) .

ولاشك أن الجري وراء حصان أو امتخاط الناقد عند ذكر الراوي ليس شيء من ذلك قادحا مؤثرا في عدالة الراوي وضبطه .

لكنه يرد إشكال في أن معظم أحكام الجرح الواردة في مصنفات الجرح والتعديل تكون خالية من التفسير وبيان سبب الجرح ، بل يقتصر على مثل: فلان ضعيف وفلان ليس بشيء ، فاشتراط بيان السبب يفضي على تعطيل ذلك وسد باب الجرح في الأغلب الأكثر .

وقد أجاب عن ذلك ابن الصلاح فقال:"وجوابه أن ذلك وإن لم نعتمده في إثبات الجرح والحكم به فقد اعتمدناه في أن توقفنا عن قبول حديث من قالوا فيه مثل ذلك بناء على أن ذلك أوقع عندنا فيهم ريبة قوية يوجب مثلها التوقف" (4) .

ويسري التوقف في شأن الراوي المجرح جرحا غير مفسر في حالة ما لو ورد في حقه تعديل نصا أو حكما كما قال المعلمي (5) .

(1) علوم الحديث لابن الصلاح ص98-99

(2) الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ص108 .

(3) الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ص110 .

(4) علوم الحديث لابن الصلاح ص98 .

(5) التنكيل لما في تأنيب الكوثري من الأباطيل (1/23) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت