وكأن الفريق الآخر كان مبتدعا في نظر ابن سيرين أو على أقل تقدير يستدل بنصوص رواها من عرف أنه من أهل البدع ، والبدعة بالمعنى الشرعي لم تعرف في ذلك العصر إلا في فريقين: الخوارج والشيعة ، فهؤلاء هم الذين عرفوا بالابتداع من بين الفرق السياسية المتقاتلة ، أما الفرق التي تقاتلت من غيرهما فلم يعرف عنها ابتداع مثل عبد الله بن الزبير ومن ناصره وعبد الملك بن مروان ونصراؤه ونحوهما ، أما البدع الأخرى التي ظهرت في ذلك العصر مثل الإرجاء والقدر فلم تكن ذات صبغة سياسية ، بل ولم يطلق عليها أنها فتنة .
ومن هذا التتبع ينحصر البحث في بدعتين هما اللتان يجدر أن تكونا سببا في حركة الوضع ، لكن التاريخ يثبت أن الخوارج لم يعرف عنهم الوضع والكذب ، يقول مالك عن عمران بن حطان:"لأن يخر عمران من السماء أحب إليه من أن يكذب"، وكان عمران بن حطان من دعاة الخوارج .
فلم يبق عندئذ إلا بدعة التشيع التي علم التصاق حركة الوضع بها ، لكننا نجزم أن وضع الشيعة للأحاديث لم يكن في عصر علي رضي الله عنه لأمور:
... الأول: أن الوضع لو حدث في عصر علي لقاومه أشد مقاومة ، كما فعل مع من زعم ألوهيته حيث لم يتهاون معهم ، بل حرقهم تحريقا وأنشد:
لما رأيت الأمر أمرا منكرا أججت ناري ودعوت قَنْبُرَا
ولا يعقل أن يكون علي رضي الله عنه - وهو المشهور بتحوطه في رواية الأحاديث - يرى أحاديث توضع بحضرته أو بمسمع منه فيقرها ويسكت عنها أو يتهاون في محاربة واضعيها .