قال الإمام الذهبي: نحن لا ندَّعي فيهم العصمة لكنهم أكثر الناس صوابًا ، وأندرهم خطأ ، وأشدُّهم إنصافًا ، وأبعدهم عن التحامل ، وإذا اتَّفقوا على تعديلٍ أو جرحٍ فتمسَّك به ، واعضُض عليه بناجذيك ، ولا تتجاوزه فتندم ، ومن شذَّ منهم - إشارة إلى المتشددين والمتساهلين - فلا عبرة به ، فخلِّ عنك العناء ، وأعط القوس باريها، فوالله لولا الحفاظ الأكابر لخطبت الزنادقة على المنابر [1] .
وأحكامهم التي أنصفوا فيها وأجمعوا عليها كثيرة ، وهي تمثل النسبة الأكبر في كلامهم على الرجال ، ويكفي لتقف على صحة هذا الكلام أن ترجع إلى كتابٍ كتهذيب التهذيب لابن حجر لتجد أنهم اتفقوا كثيرًا على توثيق بعض الرواة كما اتفقوا كثيرًا على تضعيف بعض الرواة ، وهذا من أعظم الأدلة على إنصافهم ، والتزامهم في الجملة بقواعد الجرح والتعديل .
المبحث الثالث: المتساهلون في الجرح والتعديل
ويشتمل على خمسة مطالب:
المطلب الأول ...: مفهوم التساهل عند علماء الجرح والتعديل .
المطلب الثاني: الأسباب الحاملة لبعض العلماء على التساهل .
المطلب الثالث: نشأة التساهل في الجرح والتعديل .
المطلب الرابع: أشهر المعروفين بالتساهل في الجرح والتعديل .
المطلب الخامس: موقف العلماء من أحكام المتساهلين في الجرح والتعديل .
المطلب الأول
مفهوم التساهل عند علماء الجرح والتعديل
السهل لغة: نقيض الحزن ، وهو كل شيء مائل إلى اللين وقلة الخشونة ، والتسهيل هو التيسير ، والتساهل هو: التسامح [2] .
والمراد بالتساهل عند علماء الجرح والتعديل:
عدم مراعاة القواعد والضوابط التي وضعها العلماء لتوثيق الرواة بالتسامح في تطبيقها .
(1) سير أعلام النبلاء ( 11 / 82 ) .
(2) لسان العرب ( 6 / 412 )