وقال التاج السبكي: الصواب عندنا أن من ثبتت إمامته وعدالته ، وكثُر مادحوه ومزكوه ، وندر جارحوه ، وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه من تعصبٍ مذهبي أو غيره فإنا لا نلتفت إلى الجرح فيه ، ونعمل فيه بالعدالة وإلا فلو فتحنا هذا الباب وأخذنا بتقديم الجرح على إطلاقه لما سَلِم لنا أحدٌ من الأئمة إذ ما من إمامٍ إلا وقد طعن فيه طاعنون وهلك فيه هالكون [1] .
وقال أيضًا: الجارح لا يُقبل منه الجرح وإن فسَّره في حق من غلبت طاعاته على معاصيه ، وما دحوه على ذاميه ، ومزكوه على جارحيه إذا كانت هناك قرينة يشهد العقل بأن مثلها حامل على الوقيعة في الذي جرحه من تعصب مذهبي ، أو منافسة دنيوية كما يكون بين النظراء أو غير ذلك [2] .
فحاصل هذه القاعدة: أن من ثبتت عدالته بيقين ، وكثر مادحوه فإنه لا يُلتفت إلى من جرحه ، خاصةً إذا كان الجرح غير مفسر ، أو كانت هناك أمارة دالة على عدم براءة هذا الجارح كتعصبٍ لمذهب ، أو منافسةٍ لدنيا ، أو هوى غالب أو نحو ذلك ، والكمال لله وحده .
وقال الحافظ ابن حجر: إن كان الجرح غير مفسر فإنه لا يقدح فيمن ثبتت عدالته [3] .
القاعدة الثانية
وجوب صيانة أعراض المسلمين
الأصل المفهوم من قواعد الشرع: صيانة الأعراض بتحريم الخوض فيها ، وأن الكلام في الرواة إنما أُجيز للضرورة ، ولمصلحة الشريعة ، فمن لم تكن له رواية ، ولم تكن هناك مصلحة شرعية من ذكر عيوبه ونقائصه حرُمت غِيبته للأدلة القاضية بتحريم الخوض في أعراض المسلمين .
قال الحافظ السخاوي: قد شغف جماعة من المتأخرين ... بذكر المعائب ولو لم يكن المعاب من أهل الرواية وذلك غيبة محضة ، ولذا تعقَّب ابن دقيق العيد: ابن السمعاني في ذكره بعض الشعراء وقدح فيه بقوله: إذا لم يُضطَّر إلى القدح فيه للرواية لم يجُز .
(1) طبقات الشافعية الكبرى 2/6 ، 7 .
(2) قاعدة في الجرح والتعديل ص 30 .
(3) نزهة النظر ص 69 .