وحاصل هذه القاعدة أن أعراض المسلمين مُحرَّمة ، وأنه لا يجوز الخوض فيها إلا للضرورة ، وعند الضرورة لا يجوز الإكثار من ذكر العيوب والتقائص بل يجب الاكتفاء بما تسقط به العدالة ، وذلك كإباحة الميتة للمُضطر فإنه لا يجوز تناول شيءٍ منها إلا بقدر الضرورة .
القاعدة الثالثة
وجوب نقل أقول المجرحين والمعدلين معا
لا ريب أن كل إنسان - عدا الأنبياء - عنده حقٌ وباطل ، وفيه خيرٌ وشر ، فيذكر وينسى ، ويعلم ويجهل ، فلكل بشرٍ أخطاؤه ، ولكل عالمٍ هفواته ، ولكل جوادٍ كبوة ، ولكل سيفٍ نبوة .
قال سعيد بن المسيب: ليس من شريفٍ ، ولا عالمٍ ، ولا ذي فضل - يعني غير الأنبياء - إلا وفيه عيب ، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تُذكر عيوبه ، فمن كان فضله أكثر من نقصه وُهِب نقصه لفضله [1] .
وقال عبد الله بن المبارك: إذا غلبت محاسن الرجل - على المساوئ - لم تُذكر المساوئ ، وإذا غلبت المساوئ على المحاسن لم تُذكر المحاسن [2] .
وقال الشعبي: كانت العرب تقول: إذا كانت محاسن الرجل تغلب مساوئه فذلكم الرجل الكامل ، وإذا كانا متقاربين فذلكم المتماسك ، وإذا كانت المساوئ أكثر من المحاسن فذلكم المتهتك [3] .
وقال الشافعي: إذا كان الأغلب الطاعة فهو المُعدَّل ، وإذا كان الأغلب المعصية فهو المجرح [4] .
ومن هذه النقول وغيرها كثير قَعَّد العلماء قاعدة هامة وهي: وجوب ذكر أقوال المعدلين بجوار أقوال المجرحين عند تساويهما ، وإغفال أقوال المجرحين في حق من كثرت طاعاته ، وكثُر مادحوه وقلَّ ذاموه ، وقد تذكر للرد عليها وبيان خطئها ، وعابوا على من اكتفى في حق بعض الرواة بذكر المساوئ دون المحامد .
(1) الإعلام بالتوبيخ ص 88 .
(2) تذكرة الحفاظ 1/276 .
(3) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب 2/260 .
(4) الكفاية في علم الرواية للخطيب ص 79 .