ولذلك قال العلماء: إن من مقتضيات العدالة: الموازنة بين الجرح والتوسط بين التوثيق والتضعيف ، وعدم الاكتفاء بطرف الكلام والسكوت عن الطرف الأخر .
فلا يكون الناقد عادلًا إذا أطنب في مدح من يحب وذكر جميع محاسنه وتغافل عن غلطاته وتأوَّل له ما أمكن .
وإذا ذكر مخالِفًا له أكثر من نقل أقوال من طعن فيه ، وأخذ يُعيد ما ذكره ويُبديه ، ويُكرِّر عبارات الجرح بأساليب شتى ، ولا يستوعب أقوال من وثَّقه ومدحه فتكون الصورة مُشوَّهة ، وكل ذلك تجافٍ عن الإنصاف ، وما الإنصاف إلا من العدل .
قال الذهبي في ترجمة أبان بن يزيد العطار: قد أورده أيضًا العلامة: ابن الجوزي في الضعفاء، ولم يذكر فيه أقوال من وثَّقه ، وهذا من عيوب كتابه يسرد الجرح ويسكت عن التوثيق [1] .
وقال في ترجمة عبد الملك بن عمير اللخمي: وأما ابن الجوزي فذكره فحكى الجرح وما ذكر التوثيق [2] .
وقال الشيخ ظفر أحمد التهانوي: الاقتصار على ذكر التضعيف والسكوت عن التوثيق عيبٌ شديد ، وكذا بالعكس إلا أن يكون ممن ثبتت عدالته وأذعنت الأمة لإمامته [3] .
وقال الشيخ عبد الحي اللكنوي: ومن عاداتهم السيئة: أنهم كلما ألَّفوا سِفرًا في تراجم الفضلاء ملأوه بما يستنكف عنه النبلاء ، فذكروا فيه المعايب والمثالب في ترجمة من هو عندهم من المجرحين والمقبوحين ، وإن كان جامعًا للمفاخر والمناقب ، وهذا من أعظم المصائب ، تفسد به ظنون العوام ، وتسري به الأوهام في الأعلام [4] .
وما أحسن ما قال التابعي محمد بن سيرين: ظلمٌ لأخيك أن تذكُر منه أسوأ ما تعلم وتكتُم خيره [5] .
القاعدة الرابعة
ليس كل جرحٍ صدر من ناقدٍ معتمدًا مقبولًا
(1) ميزان الاعتدال 1/9 .
(2) ميزان الاعتدال 2/660 .
(3) قواعد في علوم الحديث ص 281 .
(4) الرفع والتكميل ص 66 ، 67 .
(5) صفوة الصفوة لابن الجوزي 3 / 245 ، البداية والنهاية لابن كثير 9 / 280 .