يجب قبل اعتماد جرح الناقد في الراوي أن نتأكَّد من معرفته بمدلولات الألفاظ خاصةً الألفاظ العرفية التي تختلف باختلاف عُرف الناس ، وقد تكون في بعض الأزمنة مدحًا ، وفي بعضها ذمًا .
كما يجب تفقُّد حال الناقد في العلم بالأحكام الشرعية لأنه ربما ظن الحلال المباح حرامًا فجرح به .
ولهذه العِلَّة اشترط العلماء عند جرح الثقة بيان أسباب الجرح ليُنظر فيها هل تستوجب رد روايته ، والطعن في عدالته أم أن فيها مبالغة ومجازفة ، وعدم وضع الأمور في نصابها .
ولقد تبيَّن للعلماء من خلال جرح النقاد للرواة أن الناقد قد يجرح بما لا ينبغي أن يُجرح به .
ولذلك اشترطوا بيان أسباب الجرح خاصةً عند جرح الثقة .
فتأمَّل هذه القاعدة مع القاعدة الأولى يتضح لك الأمر بجلاء .
وهاهي أمثلة لجرح بعض النقاد للرواة بما لا ينبغي أن يكون جرحًا .
قال السخاوي: مما ينبغي أن يُتفقَّد: حاله في العلم بالأحكام الشرعية فربّ جاهلٍ ظن الحلال حرامًا فجرح به ، ومن هنا أوجب الفقهاء التفسير ليتوضح الحال .
وقال الشافعي: حضرت بمصر رجلًا مزكيًا يجرح رجلًا فسُئل عن سببه وألح عليه فقال: رأيته يبول قائمًا ، قيل: وما في ذلك ؟ قال: يرد الريح من رشاشه على يده وثيابه فيصلي فيه . قيل: هل رايته أصابه الرشاش وصلى قبل أن يغسل ما أصابه ؟ قال: لا ، ولكن أراه سيفعل [1] .
أبمثل هذا يجرح الرواة وتضعَّف الأحاديث ؟
وشبيه ذلك أنه قيل لشعبة بن الحجاج: لِمَ تركت حديث فلان ؟ قال: رأيته يركض على بِرْذَوْن فتركته [2] .
ومن المعلوم أن هذا ليس بجرح موجب لتركه .
ونحوه ما روى وهب بن جرير عن شعبة أنه قال: أتيت منزل المنهال ابن عمرو فسمعت منه صوت الطنبور فرجعت ولم أسأله .
قال وهب فقلت له: فهلا سألته عسى كان لا يعلم [3] .
(1) قاعدة في الجرح والتعديل ص 53 .
(2) نزهة النظر شرح نخبة الفكر ص 69 .
(3) الكفاية ص 12 .