الحجة الثانية: إن في العرف قد يراد بلفظ التأبيد المبالغة لا الدوام, كقول القائل: (( لازم فلانًا أبدًا ، وفلان أبدًا يكرم الضيف ، وأدام الله ملك الأمير ) )، إلى غير ذلك فيجوز أن يكون كذلك في استعمال الشرع ، ويتبين ذلك بلحوق الناسخ به أن المراد منه المبالغة لا الدوام ، ولأنه لا خفاء أنّ قوله (( صوموا أبدًا ) )مثلًا ، لا يربو في الدلالة على تعيين الوقت والتنصيص على قوله: (( صم غدًا ) )حكمًا جاز نسخ هذا قبل الغد ، جاز نسخ الآخر أيضًا (1) .
حجة المذهب الثاني:
إن نسخ الخطاب المقيد أو المؤقت يؤدي إلى التناقض والبداء ، لأن معنى التأبيد دائم ، والنسخ يقطع الدوام ، فيكون دائمًا وغير دائم ، وصاحب الشرع منزه عن ذلك ، فلا يجوز القول بنسخه ، كما لو قيل (( الصوم دائم مستمر أبدًا ) ).
كما أن التأبيد بمنزلة التنصيص على كل وقت من أوقات الزمان بخصوصه، والنسخ لا يجري فيه بالاتفاق ، فكذا فيما نحن فيه .
والدليل عليه: أن التأبيد يفيد الدوام والاستمرار قطعًا في الخبر كما في تأبيد أهل الجنة والنار ، قال عبد العزيز البخاري رحمه الله: (( حتى أن من قال بجواز فناء الجنة والنار وأهلهما وحمل قول الله تعالى { خالدين فيها أبدًا} التوبة 22/ على المبالغة ينسب إلى الزيغ والضلال ، فكذا في الأحكام ، إذ لا فرق بين دلالة اللفظ على الدوام لغة في الصورتين ) ) (2) .
وخلاصة هذا: يجب أن نعلم أن هذا الخلاف بين الفريقين غير مستمر ، لأنه لم يوجد في الأحكام الشرعية حكم مقيد بالتأبيد أو التوقيت ونسخت شرعيته في وقت الرسالة ، وأيضًا لا يمكن أن يتصور وجوده بعد زمن الرسالة كما قلنا ، فلا ينطوي على قاعدة فقهية ولكن للعلم والدراسة الأصولية جاء تفصيله في كتب الأصوليين .
(1) انظر كشف الأسرار للبزدوي 3/317
(2) كشف الأسرار 3/317 .