714 -الثَّالث: في توبة كعبِ بنِ مالكٍ: عن ابن كعبٍ _وقد اختُلِفَ في اسمِه_ عن كعب بنِ مالكٍ _وفي حديث عُقيلٍ عن ابن شهابٍ أنَّ اسمَه عبدُ الله، وكذلك في حديث يونُسَ عن الزُّهريِّ_، قال: ثم «غزا رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم غزوةَ [1] تبوكَ وهو يريد الرُّومَ ونصارى العربِ بالشَّام» قال ابنُ شهابٍ: فأخبرني عبدُ الرَّحمن بنُ عبد الله بنِ كعبِ بنِ مالكٍ: أنَّ عبدَ الله بنَ كعبِ بنِ مالكٍ [2] كان قائدَ كعبٍ مِن بنيه حين عَمِيَ، قال في حديث مَعْقِلِ بنِ عبيد الله: وكان أعلمَ قومِه وأوعاهم لأحاديثِ أصحابِ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم،
ج 1 ص 288
قال: سمِعتُ كعبَ بنَ مالكٍ يحدِّث حديثَه حين تخلَّفَ عن رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوةِ تبوكَ.
قال كعبٌ: «لم أتخلَّفْ عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوةٍ غزاها قطُّ إلَّا في غزوةِ تبوكٍَ، غيرَ أنِّي قد تخلَّفتُ في غزوة بدرٍ ولم يعاتِب أحدًا تخلَّفَ عنه، إنَّما خرج رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون يريدون عِيرَ [3] قريشٍ حتَّى جمَع اللهُ بينهم وبين عدوِّهم على غير ميعادٍ، ولقد شهدتُ مع رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليلةَ العقبةِ حين تواثَقْنا على الإسلام، وما أحبُّ أنَّ لي بها مشهدَ بدرٍ، وإن كانت بدرٌ أَذكَرَ في النَّاس منها، فكان من خبري حين تخلَّفتُ عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوة تبوكٍَ أنِّي لم أكن قطُّ أقوى ولا أيسرَ منِّي حين تخلَّفتُ عنه في تلك الغزوةِ، والله ما جمعتُ قبلَها راحلتَينِ قطُّ حتَّى جمعتُهما في تلك الغزوةِ.
زاد في حديث عُقيلٍ وابن أخي الزُّهريِّ، وعند البُخاريِّ في حديث يونسَ: «ولم يكن رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريدُ غزوةً إلَّا وَرَّى [4] بغيرِها، حتَّى كانت تلكَ الغزوةُ، فغزاها رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حَرٍّ شديدٍ، واستقبَلَ سفرًا بعيدًا ومَفازًا [5] ، واستقبَلَ عدوًَّا كثيرًا، فجَلَا [6] للمسلمين أمرَهم ليتأهَّبوا أُهبةَ غزوِهم، فأخبرَهم بوَجهِهِم [7] الَّذي يريدُ، والمسلمون مع رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كثيرٌ، ولا يجمعُهم كتابٌ حافظٌ _يريد بذلك الديوانَ_ قال كعبٌ: فقلَّ رجلٌ يريدُ أن يتغيَّبَ إلَّا ظنَّ أنَّ ذلك سيخفى ما لم يَنزِلْ فيه وحيٌ من الله عزَّ وجلَّ، وغزا رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تلك الغزوةَ حين طابت الثِّمارُ والظِّلالُ، فأنا إليها أصعَرُ [8] ، فتجهَّزَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، وطَفِقتُ أعدو [9] لكي أتجهَّزَ معهم فأرجِعُ ولم أقضِ شيئًا، وأقول في نفسي: أنا قادرٌ على ذلك إذا أردتُ، فلم يزَلْ ذلك يتمادى بي حتَّى استمرَّ بالنَّاس الجِدُّ [10] .
ج 1 ص 289
فأصبَح رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم غاديًا والمسلمون معه، ولم أقضِ مِن جَهازي شيئًا، ثمَّ غدوتُ فرجَعتُ ولم أقضِ شيئًا، فلم يزَلْ ذلك يتمادى حتَّى أسرَعوا، وتفارَطَ [11] الغزوُ، فهمَمتُ أن أرتحِلَ فأُدرِكَهم _فيا ليتني فعلتُ_ ثمَّ لم يُقدَّرْ ذلك لي، فطفِقتُ إذا خرجتُ في النَّاسِ بعدَ خروج رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يحزُنُني، أنِّي لا أرى لي أسوةً [12] إلَّا رجلًا مغْموصًا عليه [13] في النِّفاق، أو رجلًا ممَّن عَذَرَ اللهُ مِن الضُّعَفاءِ، ولم يذكُرني رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى بلغَ تبوكَ، فقال وهو جالسٌ في القوم بتبوكَ: ما فعل كعبُ بنُ مالكٍ؟ فقال رجلٌ من بني سلِمةَ: يا رسولَ الله؛ حبَسه بُرداهُ والنَّظَرُ في عِطفَيه [14] ، فقال له معاذُ بنُ جبلٍ: بئسَ ما قلتَ، والله _يا رسولَ الله_ ما عَلِمنَا عليه إلَّا خيرًا! فسكتَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فبينا هو على ذلك إذ رأى رجلًا مُبَيِّضًا يزولُ به السَّرابُ [15] ، فقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: كُن أبا خَيثَمةَ. فإذا هو أبو خَيثَمةَ الأنصاريُّ! وهو الَّذي تصدَّقَ بصاعِ التَّمر حين لمَزَه [16] المنافقون.
قال كعبٌ: فلمَّا بلغَني أنَّ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد توجَّه قافلًا [17] مِن تبوكَ، حضرني بَثِّي [18] فطَفِقتُ أتذكَّرُ الكذِبَ وأقول: بِمَ أخرجُ من سخطِه غدًا؟! وأستعينُ على ذلك بكلِّ ذي رأيٍ مِن أهلي، فلمَّا قيل: إنَّ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظلَّ قادمًا [19] ، زاحَ عنِّي الباطلُ [20] حتَّى عرفتُ أنِّي لن أنجُوَ منه بشيءٍ أبدًا، فأجمَعتُ صِدقَه [21] ، وصبَّحَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قادمًا، وكان إذا قدِمَ مِن سفرٍ بدأ بالمسجد فركَع رَكعتين ثمَّ جلَس للنَّاس، فلمَّا فعَل ذلك جاءه المخلَّفون [22] فطفِقوا يعتذِرون إليه، ويحلِفون له، وكانوا بِضْعةً وثمانين رجلًا، فقبِلَ منهم علانِيَتهم، وبايَعَهم واستغفَرَ لهم [23] ، ووَكَلَ سرائرََهم [24] إلى الله.
ج 1 ص 290
حتَّى جئتُ، فلمَّا سلَّمت تبسَّمَ تبسُّمَ المُغضَب، ثمَّ قال: تعال. فجئتُ أمشي حتَّى جلستُ بين يديه، فقال: ما خلَّفكَ؟ ألم تكن قد ابتعتَ ظَهرَك؟! قال: قلتُ: يا رسولَ الله؛ إنِّي والله لو جلستُ عندَ غيرِكَ من أهل الدُّنيا لرأيتُ أنِّي سأخرُج من سخَطِه بعُذرٍ، لقد أُعطيتُ جدلًا، ولكنِّي _والله_ لقد علِمتُ لئن حدَّثتُك اليومَ حديثَ كذِبٍ ترضى به عنِّي ليوشِكنَّ اللهُ أن يُسخِطكَ عليَّ، ولئن حدَّثتُك حديثَ صدقٍ تجِدُ عليَّ فيه، إنِّي لأرجو فيه عقبى الله عزَّ وجلَّ _وفي رواية عُقَيلٍ عفوَ الله_ والله ما كان لي مِن عُذرٍ، والله ما كنت قطُّ أقوى ولا أيسرَ منِّي حين تخلَّفتُ عنك، قال: فقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أمَّا هذا فقد صدَقَ، فَقُمْ حتَّى يقضيَ الله فيكَ.
فقمتُ وثار رجالٌ من بني سلِمةَ فاتَّبعوني، فقالوا لي: والله ما علِمناكَ أذنبتَ ذنبًا قبلَ هذا، لقد عَجَزتَ في ألّا [25] تكونَ اعتذرتَ إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما اعتذَرَ إليه المخلَّفون، فقد كان كافيكَ ذنبَكَ استغفارُ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لك، قال: فوالله ما زالوا يؤنِّبونني [26] حتَّى أردتُ أن أرجِعَ إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأكذِّبَ نفسي، ثمَّ قلتُ [27] لهم: هل لقِيَ هذا معي من أحدٍ؟ قالوا: نعم، لَقِيَهُ معك رجلانِ قالا مِثلَ ما قلتَ، وقيل لهما مِثلَ ما قيل لك، قال: قلتُ: مَن هما؟ قالوا: مُرارةُ بنُ ربيعةَ العامريُّ، وهلالُ بنُ أميَّةَ الواقِفيُّ، قال: فذكروا لي رجلَينِ صالحَينِ قد شهِدا بدرًا فيهما أُسوةٌ، قال: فمضَيتُ حين ذكروهما لي.
قال: ونهى رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المسلمين عن كلامِنا _أيُّها الثَّلاثةُ_ من بين مَن تخلَّف عنه قال: فاجتنَبَنا النَّاسُ، أو قال: تغيَّروا لنا، حتَّى تنكَّرَت لي في نفسي الأرضُ، فما هي بالأرض الَّتي أعرِفُ، فلبِثْنا على ذلك خمسين ليلةً، فأمَّا