صاحباي فاستكانا وقعَدا في بيوتهما يبكيانِ، وأمَّا أنا فكنتُ أشبَّ القوم وأجلدَهم، فكنتُ أخرُج، فأشهَدُ الصَّلاةَ، وأطوفُ في الأسواقِ، ولا يكلِّمُني أحدٌ، وآتي رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأسلِّمُ عليه وهو في مجلسه بعدَ الصَّلاةِ، فأقول في نفسي: هل حرَّكَ شفتَيه بردِّ السَّلام أم لا،
ج 1 ص 291
ثمَّ أصلِّي قريبًا منه وأسارِقُه النظَرَ، فإذا أقبلتُ على صلاتي نظَر إليَّ، وإذا التفَتُّ نحوَه أعرَضَ عنِّي.
حتَّى إذا طال عليَّ ذلك من جَفوةِ المسلمين، مشَيتُ حتَّى تسوَّرتُ جدارَ [28] حائطِ أبي قتادةَ، وهو ابنُ عمِّي وأحَبُّ النَّاس إليَّ، فسلَّمتُ عليه، فوالله ما ردَّ عليَّ السَّلامَ، فقلتُ له: يا أبا قتادةَ؛ أَنشُدُكَ بالله، هل تعلَمُني أنِّي أحبُّ اللهَ ورسولَه؟! قال: فسكتَ، فعُدتُ فناشَدتُه، فقال: اللهُ ورسوله أعلمُ، ففاضَتْ عينايَ، وتولَّيت حتَّى تسوَّرتُ الجِدارَ، فبينا أنا أمشي في سوق المدينةِ، إذا نَبَطِيٌّ مِن نَبَط أهلِ الشَّامِ ممَّن قدِمَ بالطَّعام يبيعُه بالمدينة يقول: مَن يدلُّ على كعب بنِ مالكٍ؟ قال: فطفِقَ النَّاسُ يُشيرون له إليَّ، حتَّى جاءني فدفع إليَّ كتابًا من ملِكِ غسَّانَ، وكنتُ كاتبًا، فقرأتُه فإذا فيه: أمَّا بعدُ: فإنَّه قد بلَغَنا أنَّ صاحِبَك قد جفاكَ، ولم يجعلْكَ اللهُ بدارِ هوانٍ ولا مَضْيَعةٍ [29] ، فالْحَق بنا نواسِكَ [30] ، قال: فقلتُ حينَ قرأتُها: وهذا أيضًا من البلاءِ، فتيمَّمتُ [31] بها التَّنُّورَ فسَجَرتُها.
حتَّى إذا مَضَت أربعونَ مِن الخمسينَ، واستلْبَثَ الوحيُ، إذا رسولُ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأتيني، فقال: إنَّ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأمرُك أن تعتَزِلَ امرأتَكَ، قال: فقلتُ: أطلِّقُها أم ماذا أفعل؟ قال: لا [32] ؛ بلِ اعتزِلْها فلا تقربَنَّها، قال: وأرسَلَ إلى صاحِبَيَّ بمِثلِ ذلك، قال: فقلتُ لامرأتي: الْحَقي بأهلِكِ فكوني عندَهم حتَّى يقضِيَ اللهُ في هذا الأمر، قال: فجاءَت امرأةُ هلالِ بنِ أميَّةَ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالت له: يا رسولَ الله؛ إنَّ هلالَ بنَ أميَّةَ شيخٌ ضائعٌ ليس له خادمٌ، فهل تكرَهُ أن أخدُمَه؟ قال: لا؛ ولكن لا يقربَنَّكِ. فقالت: إنَّه _والله_ ما به حركةٌ إلى شيءٍ، ووالله ما زال يبكي منذ كان من أمرِه ما كان إلى يومِه هذا.
قال: فقال لي بعضُ أهلي: لو استأذنتَ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امرأتِكَ، فقد أَذِنَ لامرأة هلالِ بنِ أميَّةَ أن تخدُمَه، قال: فقلت:
ج 1 ص 292
لا أستأذِنُ فيها رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما يدريني ماذا يقولُ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استأذَنتُه فيها، وأنا رجلٌ شابٌّ؟! قال: فلبِثتُ بذلك عشْرَ ليالٍ، فكمَُِلَ لنا خمسونَ ليلةً مِن حينَ نُهِيَ عن كلامِنا.
قال: ثمَّ صلَّيتُ صلاةَ الفجر صباحَ خمسينَ ليلةً على ظَهرِ بيتٍ من [33] بيوتِنا، فبينا أنا جالِسٌ على الحال الَّتي ذكَرَ اللهُ مِنَّا قد ضاقَت عليَّ نفسي، وضاقَت عليَّ الأرضُ بما رحُبَت، سمِعتُ صوتَ صارخٍ أوفَى على سَلْعٍ [34] يقول بأعلى صوته: يا كعبَُ بنَ مالكٍ؛ أَبْشِر! قال: فخرَرتُ ساجدًا وعَلِمتُ أنْ قد جاء فرَجٌ، قال: وآذَنَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم النَّاسَ بتوبة الله عزَّ وجلَّ علينا حين صلَّى صلاةَ الفجرِ، فذهب النَّاسُ يبشِّرونَنا، فذهب قِبَلَ صاحِبَيَّ مبشِّرونَ، وركَض رجلٌ إليَّ فرسًا، وسعى ساعٍ مِن أَسلَمَ قِبَلي، وأوفَى على الجبل، فكان الصوتُ أسرعَ مِن الفرس.
فلمَّا جاءني الَّذي سمِعتُ صوتَه يبشِّرُني نزَعتُ له ثوبَيَّ فكسوتُهما إيَّاه ببِشارتِه، والله ما أملِكُ غيرَهما يومئذٍ، واستعَرتُ ثوبَينِ فلبِستُهما، وانطلقتُ أتأمَّمُ [35] رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فتلقَّاني النَّاسُ فوجًا فوجًا يهنِّئونَني بالتَّوبة ويقولون: ليَهْنِكَ [36] توبةُ الله عليك! حتَّى دخَلتُ المسجدَ، فإذا رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حولَه النَّاسُ، فقام طلحةُ بنُ عبيدِ الله يُهَروِلُ حتَّى صافَحَني وهنَّأني، والله ما قام رجلٌ من المهاجرين غيرُه، قال: فكان كعبٌ لا ينساها لطلحةَ.
قال كعبٌ: فلمَّا سلَّمتُ على رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال وهو يَبرُقُ وجهُه من السُّرور: أَبْشِرْ بخير يومٍ مَرَّ عليك منذُ ولدَتكَ أمُّكَ. قال: فقلتُ: أَمِن عندِك يا رسولَ الله أم من عندِ الله؟ فقال: لا [37] ؛ بل من عندِ الله _وكان رسولُ الله إذا سُرَّ استنار وجهُه حتى كأنَّ وجهَه قطعةُ قمرٍ، قال: وكنَّا نعرِفُ ذلك_ قال: فلمَّا جلستُ بين يدَيهِ، قلت: يا رسولَ الله؛ إنَّ مِن توبتي أنْ أنخَلِعَ مِن مالي صدقةً إلى الله وإلى رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم،
ج 1 ص 293
فقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أَمسِكْ بعضَ مالِكَ فهو خيرٌ لك، قال: فقلتُ: إنِّي أُمسِكُ سهمي الَّذي بخيبرَ.
قال: وقلت: يا رسولَ الله؛ إنَّ اللهَ إنَّما أنجاني بالصِّدق، وإنَّ مِن توبتي أنْ لا أُحدِّثَ إلَّا صِدقًا ما بقِيتُ، قال: فوالله ما علِمتُ أحدًا من المسلمين أبلاه اللهُ في صدقِ الحديثِ منذ ذكَرتُ ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسنَ ممَّا أبلاني اللهُ، ووالله ما تعمَّدتُ كَِذْبةً منذ قلتُ ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يومي هذا، وإنِّي لأرجو أن يحفَظَني اللهُ فيما بقِيَ.
قال: فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ: {لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ} حتَّى بلَغ {إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} حتَّى بلَغ {اتَّقُوا اللّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة:117 - 119] قال كعبٌ: والله ما أنعَمَ الله عليَّ من نعمةٍ قطُّ بعد إذ هداني الله للإسلامِ أعظمَ في نفسي مِن صِدقي رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنْ لا أكونَ كذَبتُه فأهلِكَ كما هلَك الَّذين كذَبوا. إنَّ اللهَ قال للَّذينَ كذَبوا حين أنزَلَ الوحيَ شرَّ ما قال لأحدٍ [38] ، فقال اللهُ: {سَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [التوبة:95 - 96] .
قال كعبٌ: كنَّا خُلِّفنَا _أيُّها الثَّلاثةُ_ عن أمرِ أولئكَ الَّذين قَبِلَ منهم رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ حَلَفوا له، فبايَعَهم واستغفَرَ لهم، وأرجَأ [39] رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرَنَا حتَّى قضى اللهُ فيه؛ فبذلك قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} » [التوبة:118] وليس الَّذي ذكَرَ ممَّا خُلِّفْنا تَخلُّفَنا [40] عن الغزْوِ، وإنَّما هو تَخْليفُه إيَّانا وإرجاؤه أمرَنا عمَّن