الصفحة 22 من 208

أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ التوبة111، فهذا مقام المبايعة مع الله وقد عرض الله سلعة غالية فوجب على العبد أن يقدم في شرائها أغلى ما يملك وهي النفس، فلذلك قدمت النفس على المال في هذه الآية التي تُبَيِّن كرم الله عز وجل فإنه يملك نفوس الخلق جميعا ومع ذلك فقد اشتراها من المؤمنين بالعِوض وهو الجنة.

ولذلك إن تقديم المال على النفس في معظم الآيات هو تقديم ترتيب إذ لا يتم الجهاد بالنفس إلا بعد بذل المال، أما تقديم النفس على المال في آية المبايعة فهو تقديم تفضيل [1] ، كما قال الشاعر:

الجود بالمال جود فيه مكرمة الجود بالنفس أقصى غاية الجود

وعلل علماء التفسير وفقهاء الجهاد حكمة تقديم الجهاد بالمال على النفس بأسباب اهمها:-

1.ان المال هو عصب القتال والاعداد للقتال سابق عليه لا محالة وهذا الاعداد بحاجة الى مال بل مال كثير لاتمامه وهو مدد الجيش فبه يُشترى السلاح، وقد تُستأجر الرجال كما في الجيوش الحديثة من الفرق الأجنبية، وبالمال يُجَهز الجيش.

2.ان تشريع الجهاد بالمال يصرف النظر عن حصر غاية الجهاد بالغنيمة فالمسلمون يضحون باموالهم نصرة لدينهم.

3.ان أكثر الناس هم فقراء أو غير اثرياء وهم غير قادرين على تحمل اعباء الجهاد والتفرغ له وعلى هذه الكثرة المعول في الجهاد من الوجه العددية والعملية، ولقد كان الفقراء يأتون النبي صلى الله عليه وسلم مسارعين للقيام بواجب الجهاد كلما نودي اليه فلا يجدون عنده وسائل نقلهم فيتولون واعينهم تفيض من الدمع حزنا [2] ،كما حكته الاية القرآنية {وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ } التوبة92.

4.ان في المال دعما للمجاهدين ولعوائلهم ولمن يتركونه خلفهم، وسد هذه الخلة له اثر في تقوية الجبهة الداخلية للأمة المجاهدة، وفي رفع معنويات المجاهدين واهلهم على سواء يقول عليه الصلاة والسلام: (من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا ومن خلف غازيا في اهله بخير فقد غزا) متفق عليه.

(1) العمدة في اعداد العدة

(2) الجهاد: دروزة ص166

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت