الصفحة 140 من 1087

أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء) وهذا التقدير بعد وجود العرش وقبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة.

وهو ـ سبحانه وتعالى ـ متمدح بأنه ذو العرش، كقوله سبحانه: {قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا} [الإسراء: 24] ، وقوله تعالى: {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر: 15، 16] ، وقال تعالى: {وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} [البروج: 14 ـ 16] ، وقد قرئ {الْمَجِيدُ} بالرفع صفة لله، وقرئ بالخفض صفة للعرش. وقال تعالى: {قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ّ} [المؤمنون: 86، 87] ، فوصف العرش بأنه مجيد وأنه عظيم، وقال تعالى: {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} [المؤمنون 116] ، فوصفه بأنه كريم أيضًا.

وكذلك في الصحيحين عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب: (لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض رب العرش الكريم) ، فوصفه في الحديث بأنه عظيم، وكريم أيضًا.

فقول القائل المنازع: إن نسبة الفلك الأعلى إلى ما دونه كنسبة الآخر إلى ما دونه، لو كان العرش من جنس الأفلاك، لكانت نسبته إلى ما دونه كنسبة الآخر إلى ما دونه، وهذا لا يوجب خروجه عن الجنس وتخصيصه بالذكر، كما لم يوجب ذلك تخصيص سماء دون سماء، وإن كانت العليا بالنسبة إلى السفلى كالفلك على قول هؤلاء، وإنما امتاز عما دونه بكونه أكبر، كما تمتاز السماء العليا عن الدنيا، بل نسبة السماء إلى الهواء، ونسبة الهواء إلى الماء والأرض. كنسبة فلك إلى فلك، ومع هذا فلم يخص واحدًا من هذه الأجناس عما يليه بالذكر، ولا بوصفه بالكرم والمجد والعظمة.

وقد علم أنه ليس سببًا لذواتها ولا لحركاتها، بل لها حركات تخصها، فلا يجوز أن يقال: حركته هي سبب الحوادث، بل إن كانت حركة الأفلاك سببًا للحوادث، فحركات غيره التي تخصه أكثر، ولا يلزم من كونه محيطًا بها أن يكون أعظم من مجموعها، إلا إذا كان له من الغلظ ما يقاوم ذلك، وإلا فمن المعلوم أن الغليظ إذا كان متقاربًا، فمجموع الداخل أعظم من المحيط، بل قد يكون بقدره أضعافًا، بل الحركات المختلفة التي ليست عن حركته أكثر، لكن حركته تشملها كلها.

وقد ثبت في صحيح مسلم عن جويرية بنت الحارث، أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها، وكانت تسبح بالحصى من صلاة الصبح إلى وقت الضحى، فقال: (لقد قلت بعدك أربع كلمات لو وزنت بما قلتيه لوزنتهن: سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله رضي نفسه، سبحان الله مداد كلماته) ، فهذا يبين أن زنة العرش أثقل الأوزان، وهم يقولون: إن الفلك التاسع لا خفيف ولا ثقيل، بل يدل على أنه وحده أثقل ما يمثل به، كما أن عدد المخلوقات أكثر ما يمثل به.

وفي الصحيحين عن أبي سعيد قال: جاء رجل من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم قد لُطِمَ وجهه، فقال: يا محمد، رجل من أصحابك لطم وجهي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ادعوه) فدعوه، فقال: (لم لطمت وجهه؟) فقال: يا رسول الله، إني مررت بالسوق وهو يقول: والذي اصطفى موسى على البشر! فقلت: يا خبيث! وعلى محمد؟ فأخذتني غضبة فلطمته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تخيروا بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا أنا بموسى آخذًا بقائمة من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت