الصفحة 172 من 1087

فَصْل

فإن قيل: فإذا كان الإيمان المطلق يتناول جميع ما أمر اللّه به ورسوله، فمتى ذهب بعض ذلك بطل الإيمان فيلزم تكفير أهل الذنوب كما تقوله الخوارج، أو تخليدهم في النار وسلبهم اسم الإيمان بالكلية كما تقوله المعتزلة، وكلا هذين القولين شر من قول المرجئة، فإن المرجئة منهم جماعة من العلماء والعباد المذكورين عند الأمة بخير، وأما الخوارج والمعتزلة فأهل السنة والجماعة من جميع الطوائف مطبقون على ذمهم.

قيل: أولا: ينبغي أن يعرف أن القول الذي لم يوافق الخوارج والمعتزلة عليه أحد من أهل السنة هو القول بتخليد أهل الكبائر في النار، فإن هذا القول من البدع المشهورة، وقد اتفق الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وسائر أئمة المسلمين على أنه لا يخلد في النار أحد ممن في قلبه مثقال ذرة من إيمان، واتفقوا ـ أيضًا ـ على أن نبينا صلىلله عليه وسلم يشفع فيمن يأذن اللّه له بالشفاعة فيه من أهل الكبائر من أمته، ففي الصحيحين عنه أنه قال: (لكل نبي دعوة مستجابة، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة) ، وهذه الأحاديث مذكورة في مواضعها. وقد نقل بعض الناس عن الصحابة في ذلك خلافًا، كما/ روى ابن عباس: أن القاتل لا توبة له، وهذا غلط على الصحابة، فإنه لم يقل أحد منهم: إن النبي صلىلله عليه وسلم لا يشفع لأهل الكبائر ولا قال: إنهم يخلدون في النار، ولكن ابن عباس في إحدى الروايتين عنه قال: إن القاتل لا توبة له، وعن أحمد بن حنبل في قبول توبة القاتل روايتان أيضًا، والنزاع في التوبة غير النزاع في التخليد، وذلك أن القتل يتعلق به حق آدمي؛ فلهذا حصل فيه النزاع.

وأما قول القائل: إن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله، فهذا ممنوع. وهذا هو الأصل الذي تفرعت عنه البدع في الإيمان، فإنهم ظنوا أنه متى ذهب بعضه ذهب كله لم يبق منه شيء ثم قالت الخوارج والمعتزلة: هو مجموع ما أمر اللّه به ورسوله، وهوالإيمان المطلق كما قاله أهل الحديث؛ قالوا: فإذا ذهب شيء منه لم يبق مع صاحبه من الإيمان شيء فيخلد في النار. وقالت المرجئة على اختلاف فرقهم: لا تذهب الكبائر وترك الواجبات الظاهرة شيئًا من الإيمان؛ إذ لو ذهب شيء منه لم يبق منه شيء فيكون شيئًا واحدًا يستوى فيه البر والفاجر. ونصوص الرسول وأصحابه تدل على ذهاب بعضه وبقاء بعضه، كقوله: (يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان) .

ولهذا كان أهل السنة والحديث على أنه يتفاضل، وجمهورهم يقولون: يزيد وينقص، ومنهم من يقول: يزيد، ولا يقول: ينقص، كما روي عن مالك في إحدى الروايتين، ومنهم من يقول: يتفاضل، كعبد اللّه بن المبارك، وقد/ ثبت لفظ الزيادة والنقصان منه عن الصحابة، ولم يعرف فيه مخالف من الصحابة، فروى الناس من وجوه كثيرة مشهورة، عن حماد بن سلمة، عن أبي جعفر، عن جده عُمَيْر بن حَبِيب الخَطْمِيّ ـ وهو من أصحاب رسول اللّه صلىلله عليه وسلم ـ قال: الإيمان يزيد وينقص، قيل له: وما زيادته وما نقصانه؟ قال: إذا ذكرنا اللّه وحمدناه وسبحناه فتلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا فتلك نقصانه، وروى إسماعيل بن عَيَّاش عن جَرِير بن عثمان، عن الحارث بن محمد عن أبي الدرداء قال: الإيمان يزيد وينقص.

وقال أحمد بن حنبل: حدثنا يزيد، حدثنا جرير بن عثمان قال: سمعت أشياخنا ـ أو بعض أشياخنا ـ أن أبا الدرداء قال: إن من فِقْه العبد أن يتعاهد إيمانه وما نقص منه، ومن فقه العبد أن يعلم أيزداد الإيمان أم ينقص؟ وأن من فقه الرجل أن يعلم: نزغات الشيطان أنى تأتيه. وروى إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو، عن عبد اللّه بن ربيعة الحَضْرَمِيّ، عن أبي هريرة قال: الإيمان يزيد وينقص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت