فهرس الكتاب
مع إيمانهم، دل على أن الإيمان المزيد حال للقلب وصفة له، وعمل مثل طمأنينته وسكونه ويقينه، واليقين قد يكون بالعمل والطمأنينة، كما يكون بالعلم، والريب المنافي لليقين يكون ريبًا في العلم، وريبًا في طمأنينة القلب؛ ولهذا جاء في الدعاء المأثور: (اللّهم اقسم لنا من خَشْيَتِك ما تَحُول به بيننا وبين مَعَاصِيكَ، ومن طاعتك ما تُبَلِّغُنَا به جَنّتَكَ، ومن اليقين ما تُهَوِّنُ به علينا مصائب الدنيا) . وفي حديث الصديق ـ الذي رواه أحمد والترمذي وغيرهما ـ عن النبي صلىلله عليه وسلم أنه قال: (سَلُوا اللّهَ العافية واليقين، فما أعطى أحد بعد اليقين شيئًا /خيرًا من العافية، فسلوهما اللّه تعالى) ،فاليقين عند المصائب بعد العلم بأن اللّه قدرها سكينة القلب وطمأنينته وتسليمه، وهذا من تمام الإيمان بالقدر خيره وشره، كما قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن: 11] ، قال عَلْقَمَة: ويروي عن ابن مسعود: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند اللّه فيرضي ويسلم، وقوله تعالى: {يَهْدِ قَلْبَهُ} هداه لقلبه هو زيادة في إيمانه، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى} [محمد: 17] ، وقال: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف: 13] . ولفظ [الإيمان] أكثر ما يذكر في القرآن مقيدًا، فلا يكون ذلك اللفظ متناولا لجميع ما أمر اللّه به، بل يجعل موجبًا للوازمه وتمام ما أمر به، وحينئذ يتناوله الاسم المطلق قال تعالى: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [الحديد: 7: 9] ، وقال تعالى في آخر السورة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الحديد: 28] .
وقد قال بعض المفسرين في الآية الأولى: إنها خطاب لقريش، وفي الثانية: إنها خطاب لليهود والنصارى، وليس كذلك؛ فإن اللّه لم يقل ـ قط ـ للكفار: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} ثم قال بعد ذلك: {لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ} [الحديد: 29] ، وهذه السورة مدنية باتفاق، لم يخاطب بها المشركين بمكة، وقد قال: {وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} وهذا لا يخاطب به كافر، وكفار مكة لم يكن أخذ ميثاقهم، وإنما أخذ ميثاق المؤمنين ببيعتهم له؛ فإن كل من كان مسلمًا مهاجرًا، كان يبايع النبي صلىلله عليه وسلم كما بايعه الأنصار ليلة العَقَبَة، وإنما دعاهم إلى تحقيق الإيمان وتكميله بأداء ما يجب من تمامه باطنًا وظاهرًا، كما نسأل اللّه أن يهدينا الصراط المستقيم في كل صلاة، وإن كان قد هدى المؤمنين للإقرار بما جاء به الرسول جملة، لكن الهداية المفصلة في جميع ما يقولونه ويفعلونه في جميع أمورهم لم تحصل، وجميع هذه الهداية الخاصة المفصلة هي من الإيمان المأمور به. وبذلك يخرجهم اللّه من الظلمات إلى النور.
فَصْل
وقد أثبت اللّه في القرآن إسلامًا بلا إيمان في قوله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا} [الحجرات: 14] . وقد ثبت في الصحيحين، عن سعد بن أبي وقاص، قال: أعطى النبي صلىلله عليه وسلم رهطًا ـ وفي رواية قسم قسمًا ـ وترك فيهم من لم يعطه، وهو أعجبهم إلى، فقلت: يا رسول اللّه، مالك عن فلان؟ فواللّه إني لأراه مؤمنًا، فقال رسول اللّه صلىلله عليه وسلم: (أو مسلمًا) . أقولها ثلاثا، ويرددها على رسول اللّه صلىلله عليه وسلم ثلاثًا، ثم قال: (إني