الصفحة 174 من 1087

إسحاق، عن أنس مرفوعًا: (ثلاث من كُنَّ فيه استوجب الثواب واستكمل الإيمان: خُلُق يعيش به في الناس، وورَع يحجزه عن معصية اللّه، وحِلْم يرد به جهل الجاهل) .

و (أربع من الشقاء: جمود العين، وقساوة القلب، وطول الأمل، والحرص على الدنيا) فالخصال الأولى تدل على زيادة الإيمان وقوته، والأربعة الأخر تدل على ضعفه ونقصانه.

وقال أبو يعلي الموصلي: ثنا عبد اللّه القواريري، ويحيى بن سعيد قالا: ثنا يزيد بن زريع، ويحيى بن سعيد قالا: حدثنا عوف، حدثني عقبة بن عبد اللّه المزني قال يزيد في حديثه في مسجد البصرة: حدثني رجل ـ قد سماه، ونسى عوف اسمه ـ قال: كنت بالمدينة في مسجد فيه عمر بن الخطاب، فقال لبعض جلسائه: كيف سمعتم رسول اللّه صلىلله عليه وسلم يقول في الإسلام؟ فقال: سمعته يقول: (الإسلام بدأ جَذَعًا، ثم ثَنِيًا؛ ثم رباعيا، ثم سَدِيسًا؛ ثم بازلًا) فقال عمر: فما بعد البُزُول إلا النقصان، كذا ذكره أبو يعلى في [مسند عمر] وفي [مسند] هذا الصحابي المبهم ذكره أولى.

قال أبو سليمان: من أحسن في ليله كوفئ في نهاره، ومن أحسن في نهاره كوفئ في ليلة.

/والزيادة قد نطق بها القرآن في عدة آيات، كقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [الأنفال: 2] ، وهذه زيادة، إذا تليت عليهم الآيات أي: وقت تليت ليس هو تصديقهم بها عند النزول، وهذا أمر يجده المؤمن إذا تليت عليه الآيات، زاد في قلبه بفهم القرآن ومعرفة معانيه من علم الإيمان ما لم يكن، حتى كأنه لم يسمع الآية إلا حينئذ، ويحصل في قلبه من الرغبة في الخير والرهبة من الشر ما لم يكن، فزاد علمه باللّه ومحبته لطاعته، وهذه زيادة الإيمان، وقال تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173] ، فهذه الزيادة عند تخويفهم بالعدو لم تكن عند آية نزلت فازدادوا يقينًا وتوكلًا على اللّه، وثباتًا على الجهاد وتوحيدًا بألا يخافوا المخلوق، بل يخافون الخالق وحده، وقال تعالى: {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ} [التوبة: 124،125] .

وهذه الزيادة ليست مجرد التصديق بأن اللّه أنزلها، بل زادتهم إيمانًا بحسب مقتضاها، فإن كانت أمرًا بالجهاد أو غيره ازدادوا رغبة، وإن كانت نهيًا عن شيء انتهوا عنه فكرهوا؛ ولهذا قال: {وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} والاستبشار غير مجرد التصديق، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ} [الرعد: 36] ، والفرح بذلك من زيادة الإيمان، قال تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} [يونس: 5] ، وقال تعالى: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ} [الروم: 4، 5] ، وقال تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا} [المدثر: 31] ، وقال: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح: 4] ، وهذه نزلت لما رجع النبي صلىلله عليه وسلم وأصحابه من الحديبية، فجعل السكينة موجبة لزيادة الإيمان.

والسكينة طمأنينة في القلب غير علم القلب وتصديقه؛ ولهذا قال يوم حُنَيْنٍ: {ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا} [التوبة: 26] ، وقال تعالى: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا} [التوبة: 40] ، ولم يكن قد نزل يوم حنين قرآن ولا يوم الغار، وإنما أنزل سكينته وطمأنينته من خوف العدو، فلما أنزل السكينة في قلوبهم، مرجعهم من الحديبية، ليزدادوا إيمانًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت