الصفحة 343 من 1087

وهذا مما يفرق به بين العبد الرسول وخلفائه، وبين النبي الملك، فإن نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم خير بين أن يكون نبيًا ملكًا، أو عبدًا رسولًا، فاختار أن يكون عبدًا رسولًا، فإن العبد الرسول هو الذي لا يفعل إلا ما أمر به، ففعله كله عبادة للّه، فهو عبد محض منفذ أمر مرسله، كما ثبت عنه في صحيح البخاري أنه قال: (إني واللّه لا أعطي أحدًا ولا أمنع أحدًا، وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت) ، وهو لم يرد بقوله: (لا أعطي أحدًا ولا أمنع) إفراد اللّه بذلك قدرًا وكونًا، فإن جميع المخلوقين يشاركونه في هذا، فلا يعطي أحدًا ولا يمنع إلا بقضاء اللّه وقدره، وإنما أراد إفراد اللّه بذلك شرعًا ودينًا، أي لا أعطي إلا من أمرت / بإعطائه، ولا أمنع إلا من أمرت بمنعه، فأنا مطيع للّه في إعطائي ومنعى، فهو يقسم الصدقة والفيء والغنائم كما يقسم المواريث بين أهلها؛ لأن اللّه أمره بهذه القسمة.

ولهذا كان المال حيث أضيف إلى اللّه ورسوله، فالمراد به ما يجب أن يصرف في طاعة اللّه ورسوله، ليس المراد به أنه ملك للرسول، كما ظنه طائفة من الفقهاء، ولا المراد به كونه مملوكًا للّه خلقًا وقدرًا، فإن جميع الأموال بهذه المثابة، وهذا كقوله: {قُلْ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} [الأنفال: 1] ، وقوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} الآية [الأنفال: 41] ، وقوله: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ} إلى قوله: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى} الآية [الحشر: 6، 7] ، فذكر في الفيء ما ذكر في الخمس.

فظن طائفة من الفقهاء أن الإضافة إلى الرسول تقتضى أنه يملكه، كما يملك الناس أملاكهم. ثم قال بعضهم: إن غنائم بدر كانت ملكًا للرسول، وقال بعضهم: إن الفيء وأربعة أخماسه كان ملكًا للرسول، وقال بعضهم: إن الرسول إنما كان يستحق من الخمس خمسه، وقال بعض هؤلاء: وكذلك كان يستحق من خمس الفيء خمسه، وهذه الأقوال توجد في كلام طوائف من أصحاب الشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة، وغيرهم، وهذا غلط من وجوه:

/منها: أن الرسول لم يكن يملك هذه الأموال كما يملك الناس أموالهم، ولا كما يتصرف الملوك في ملكهم، فإن هؤلاء وهؤلاء لهم أن يصرفوا أموالهم في المباحات، فإما إن يكون مالكًا له، فيصرفه في أغراضه الخاصة، وإما أن يكون ملكًا له، فيصرفه في مصلحة ملكه، وهذه حال النبي الملك، كداود وسليمان، قال تعالى: {فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [ص: 39] ، أي: أعط من شئت واحرم من شئت لا حساب عليك، ونبينا كان عبدًا رسولًا لا يعطي إلا من أمر بإعطائه، ولا يمنع إلا من أمر بمنعه، فلم يكن يصرف الأموال إلا في عبادة اللّه وطاعة له.

ومنها: أن النبي لا يورث ولو كان ملكًا، فإن الأنبياء لايورثون، فإذا كان ملوك الأنبياء لم يكونوا ملاكا، كما يملك الناس أموالهم، فكيف يكون صفوة الرسل الذي هو عبد رسول مالكًا.

ومنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفق على نفسه وعياله قدر الحاجة، ويصرف سائر المال في طاعة اللّه لا يستفضله، وليست هذه حال الملاك، بل المال الذي يتصرف فيه كله هو مال اللّه ورسوله، بمعنى أن اللّه أمر رسوله أن يصرف ذلك المال في طاعته، فتجب طاعته في قسمه، كما تجب طاعته في سائر ما يأمر به، فإنه من يطع الرسول فقد أطاع اللّه، وهو في ذلك مبلغ عن اللّه، / والأموال التي كان يقسمها النبي صلى الله عليه وسلم على وجهين:

منها: ما تعين مستحقه ومصرفه كالمواريث.

ومنها: ما يحتاج إلى اجتهاده ونظره ورأيه، فإن ما أمر اللّه به، منه ما هو محدود بالشرع، كالصلوات الخمس، وطواف الأسبوع بالبيت، ومنه ما يرجع في قدره إلى اجتهاد المأمور، فيزيده وينقصه بحسب المصلحة التي يحبها اللّه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت