الصفحة 345 من 1087

وأما السؤال فكثيرًا ما يجيء باسم الرب، كقول آدم وحواء: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23] ، وقول نوح: {رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} [هود: 47] ، وقول موسى: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي} [القصص: 16] ، وقول الخليل: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ} الآية [إبراهيم: 37] ، وقوله مع إسماعيل: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 127] ، وكذلك قول الذين قالوا: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة: 201] ومثل هذا كثير.

وقد نقل عن مالك أنه قال: أكره للرجل أن يقول في دعائه: يا سيدي، يا سيدي، يا حنان، يا حنان، ولكن يدعو بما دعت به الأنبياء، ربنا، ربنا. نقله عنه العتبي في العتبية. وقال تعالى عن أولى الألباب: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 191] الآيات.

/فإذا سبق إلى قلب العبد قصد السؤال، ناسب أن يسأله باسمه الرب، وإن سأله باسمه اللّه؛ لتضمنه اسم الرب، كان حسنًا، وأما إذا سبق إلى قلبه قصد العبادة، فاسم اللّه أولى بذلك، إذا بدأ بالثناء ذكر اسم اللّه، وإذا قصد الدعاء دعا باسم الرب؛ ولهذا قال يونس: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87] ، وقال آدم: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23] ، فإن يونس ـ عليه السلام ـ ذهب مغاضبًا، وقال تعالى: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ} [القلم: 48] ، وقال تعالى: {فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ} [الصافات: 142] ، ففعل ما يلام عليه فكان المناسب لحاله أن يبدأ بالثناء على ربه، والاعتراف بأنه لا إله إلا هو، فهو الذي يستحق أن يعبد دون غيره فلا يطاع الهوى، فإن اتباع الهوى يضعف عبادة اللّه وحده، وقد روى أن يونس ـ عليه السلام ـ ندم على ارتفاع العذاب عن قومه بعد أن أظلهم وخاف أن ينسبوه إلى الكذب فغاضب. وفعل ما اقتضى الكلام الذي ذكره اللّه تعالى وأن يقال: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ} وهذا الكلام يتضمن براءة ما سوى اللّه من الإلهية، سواء صدر ذلك عن هوى النفس أو طاعة الخلق أو غير ذلك؛ ولهذا قال: {سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ} .

والعبد يقول مثل هذا الكلام فيما يظنه وهو غير مطابق، وفيما يريده وهو غير حسن.

/وأما آدم ـ عليه السلام ـ فإنه اعترف أولًا بذنبه، فقال: {ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا} ولم يكن عند آدم من ينازعه الإرادة لما أمر اللّه به، مما يزاحم الإلهية بل ظن صدق الشيطان الذي {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنْ النَّاصِحِينَ. فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ} [الأعراف: 21، 22] ، فالشيطان غرهما وأظهر نصحهما فكانا في قبول غروره، وما أظهر من نصحه حالهما مناسبًا لقولهما: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا} لما حصل من التفريط، لا لأجل هوى وحظ يزاحم الإلهية، وكانا محتاجين إلى أن يربهما ربوبية تكمل علمهما وقصدهما، حتى لا يغترا بمثل ذلك، فهما يشهدان حاجتهما إلى اللّه ربهما الذي لا يقضي حاجتهما غيره.

وذو النون شهد ما حصل من التقصير في حق الإلهية بما حصل من المغاضبة، وكراهة إنجاء أولئك، ففي ذلك من المعارضة في الفعل لحب شيء آخر ما يوجب تجريد محبته للّه، وتألهه له وأن يقول: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ} فإن قول العبد: لا إله إلا أنت، يمحو أن يتخذ إلهه هواه. وقد روى: (ما تحت أديم السماء إله يعبد أعظم عند اللّه من هوى متبع) . فكمل يونس ـ صلوات اللّه عليه ـ تحقيق إلهيته للّه، ومحو الهوى الذي يتخذ إلهًا من دونه، فلم يبق له ـ صلوات اللّه عليه وسلامه ـ عند تحقيق قوله لا إله إلا أنت إرادة تزاحم إلهية الحق، بل كان مخلصًا للّه الدين؛ إذ كان من أفضل عباد اللّه المخلصين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت