فهرس الكتاب
ومن هذا الباب: أن عمر بن عبد العزيز لما تولى إمارة المدينة في خلافة الوليد بن عمه ـ وعمر هذا هو الذي بنى الحجرة النبوية إذ ذاك ـ صلى خلفه أنس بن مالك ـ رضي الله عنه? ـ فقال ما رواه أبو داود والنسائي عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ: ما صليت وراء أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتي ـ يعني عمر بن عبد العزيز. قال: فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات، وفي سجوده عشر تسبيحات. وهذا كان في المدينة، مع أن أمراءها كانوا أكثر محافظة على السنة من أمراء بقية الأمصار. فإن الأمصار كانت تساس برأي الملوك، والمدينة إنما كانت تساس بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو نحو هذا، ولكن كانوا قد غيروا ـ أيضًا ـ بعض السنة. ومن اعتقد أن هذا كان في خلافة عمر بن عبد العزيز فقد غلط، فإن أنس بن مالك ـ رضي/ الله عنه ـ لم يدرك خلافة عمر بن عبد العزيز، بل مات قبل ذلك بسنتين.
وهذا يوافق الحديث المشهور الذي في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه عن عون بن عبد الله عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا ركع أحدكم فليقل ثلاث مرات: سبحان ربي العظيم ـ وذلك أدناه ـ وإذا سجد فليقل: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا ـ وذلك أدناه) . قال أبو داود: هذا مرسل، عون لم يدرك عبد الله بن مسعود. وكذلك قال البخاري في تاريخه. وقال الترمذي: ليس إسناده بمتصل، عون بن عبد الله لم يدرك ابن مسعود، عون هو من علماء الكوفة المشهورين، وهو من أهل بيت عبد الله. وقيل: إنما تلقاه من علماء أهل بيته. فلهذا تمسك الفقهاء بهذا الحديث في التسبيحات لما له من الشواهد، حتى صاروا يقولون في الثلاث: إنها أدنى الكمال أو أدنى الركوع. وذلك يدل على أن أعلاه أكثر من هذا.
فقول من يقول من الفقهاء: إن السنة للإمام أن يقتصر على ثلاث تسبيحات من أصل الشافعي وأحمد ـ رضي الله عنهما ـ وغيرهم، هو من جنس قول من يقول: من السنة ألا يطيل الاعتدال بعد الركوع، أو أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت، أو نحو ذلك. فإن /الذين قالوا هذا ليس معهم أصل يرجعون إليه من السنة أصلًا، بل الأحاديث المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم، الثابتة في الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها، تبين أنه صلى الله عليه وسلم كان يسبح في أغلب صلاته أكثر من ذلك، كما تقدم دلالة الأحاديث عليه. ولكن هذا قالوه لما سمعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أمَّ أحدكم الناس فليخفف، وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء) ، ولم يعرفوا مقدار التطويل، ولا علموا التطويل الذي نهى عنه لما قال لمعاذ: (أفَتَّان أنت يا معاذ؟) ، فجعلوا هذا برأيهم قدرًا للمستحب، ومن المعلوم أن مقدار الصلاة ـ واجبها ومستحبها ـ لا يرجع فيه إلى غير السنة، فإن هذا من العلم الذي لم يكله الله ورسوله إلى آراء العباد. إذ النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالمسلمين في كل يوم خمس صلوات، وكذلك خلفاؤه الراشدون الذين أمرنا بالاقتداء بهم، فيجب البحث عما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ينبغي أن يوضع فيه حكم بالرأي، وإنما يكون اجتهاد الرأي فيما لم تمض به سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يجوز أن يعمد إلى شيء مضت به سنة فيرد بالرأي والقياس.
ومما يبين هذا: أن التخفيف أمر نسبي إضافي، ليس له حد في اللغة ولا في العرف؛ إذ قد يستطيل هؤلاء ما يستخفه هؤلاء ويستخف / هؤلاء ما يستطيله هؤلاء، فهو أمر يختلف باختلاف عادات الناس ومقادير العبادات، ولا في كل من العبادات التي ليست شرعية.
فعلم أن الواجب على المسلم: أن يرجع في مقدار التخفيف والتطويل إلى السنة، وبهذا يتبين أن أمره صلى الله عليه وسلم بالتخفيف لا ينافي أمره بالتطويل ـ أيضًا. في حديث عمار الذي في الصحيح لما قال: إن طول صلاة الرجل وقِصَر خطبته مَئِنَّةٌ من فقهه، فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة). وهناك أمرهم بالتخفيف ولا منافاة بينهما؛ فإن الإطالة هنا بالنسبة إلى الخطبة، والتخفيف هناك بالنسبة إلى ما