الصفحة 364 من 1087

وغيره ـ والله أعلم ـ لأجل ما كره من فعل الأئمة الذين كانوا لا يتمون التكبير. وقد قال ابن عبد البر: روي ابن وهب، أخبرني عياض بن عبد الله الفهري، أن عبد الله بن عمر كان يقول: لكل شيء زينة، وزينة الصلاة التكبير ورفع الأيدي فيها. وإذا كان ابن عمر يقول ذلك، فكيف يظن به أنه لا يكبر إذا صلى وحده؟ هذا لا يظنه عاقل بابن عمر.

قال ابن عبد البر: وقد روي عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز وقتادة وغيرهم: أنهم كانوا لا يتمون التكبير. وذكر ذلك ـ أيضًا ـ عن القاسم وسالم وسعيد بن جبير. وروي عن أبي سلمة: عن أبي هريرة: أنه كان يكبر هذا التكبير. ويقول: إنها لصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وهذا يدل على أن التكبير في كل خفض ورفع كان الناس قد تركوه، وفي ترك الناس/ له من غير نكير من واحد منهم، ما يدل على أن الأمر محمول عندهم على الإباحة.

قلت: لا يمكن أن يعلم إلا ترك الجهر به، فأما ترك الإمام التكبير سرًا فلا يجوز أن يدعي تركه، إن لم يصل الإمام إلى فعله فهذا لم يقله أحد من الأئمة، ولم يقل أحد إنهم كانوا يتركون في كل خفض ورفع، بل قالوا: كانوا لا يتمونه. ومعنى [لا يتمونه] : لا ينقصونه، ونقصه: عدم فعله في حال الخفض كما تقدم من كلامه. وهو نقص بترك رفع الصوت به، أو نقص له بترك ذلك في بعض المواضع.

وقد روى ابن عبد البر عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: صلىت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان ـ رضي الله عنهم ـ فكلهم كان يكبر إذا رفع رأسه وإذا خفض. قال: وهذا معارض لما روي عن عمر: أنه كان لا يتم التكبير. وروي عن سعيد ابن عبد العزيز عن الزهري قال: قلت: لعمر بن عبد العزيز: ما منعك أن تتم التكبير ـ وهذا عاملك عبد العزيز يتمه؟ فقال: تلك صلاة الأول، وأبى أن يقبل مني.

قلت: وإنما خفي على عمر بن عبد العزيز وعلى هؤلاء الجهر بالتكبير، كما خفي ذلك على طوائف من أهل زماننا، وقبله ما ذكره ابن/ أبي شيبة، أخبرنا جرير عن منصور عن إبراهيم. قال: أول من نقص التكبير زياد.

قلت: زياد كان أميرًا في زمن عمر، فيمكن أن يكون ذلك صحيحًا. ويكون زياد قد سن ذلك حين تركه غيره. وروي عن الأسود بن يزيد عن أبي موسى الأشعري قال: لقد ذكرنا على صلاة كنا نصلىها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: إما نسيناها، وإما تركناها عمدًا، وكان يكبر كلما رفع وكلما وضع وكلما سجد.

ومعلوم أن الأمراء بالعراق الذين شاهدوا ما عليه أمراء البلد، وهم أئمة، ولم يبلغهم خلاف ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأوا من شاهدوهم من أهل العلم والدين لا يعرفون غير ذلك، فظنوا أن ذلك هو من أصل السنة. وحصل بذلك نقصان في وقت الصلاة وفعلها. فاعتقدوا أن تأخير الصلاة أفضل من تقديمها؛ كما كان الأئمة يفعلون ذلك. وكذلك عدم إتمام التكبير وغير ذلك من الأمور الناقصة عما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى كان ابن مسعود يتأول في بعض الأمراء الذين كانوا على عهده: أنهم من الخلف الذين قال الله تعالى فيهم: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم: 59] فكان يقول: كيف بكم إذا لبستكم فتنة يربو فيها الصغير ويهرم فيها الكبير، إذا ترك فيها /شيء، قيل: تركت السنة. فقيل: متي ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: ذلك إذا ذهب علماؤكم، وقلت فقهاؤكم، والتمست الدنيا بعمل الآخرة، وتفقه لغير الدين. وكان عبد الله بن مسعود يقول أيضًا: أنا من غير الدجال أخوف عليكم من الدجال: أمور تكون من كبرائكم، فأيما رجل أو امرأة أدرك ذلك الزمان فالسمت الأول، فالسمت الأول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت