لأحمد بن حنبل: ما الذي نقصوا من التكبير؟ قال: إذا انحط إلى السجود من الركوع، وإذا أراد أن يسجد السجدة الثانية من كل ركعة.
فقد بين الإمام أحمد أن الأئمة لم يكونوا يتمون التكبير، بل نقصوا التكبير في الخفض من القيام ومن القعود وهو كذلك ـ واللّه أعلم ـ لأن الخفض يشاهد بالأبصار، فظنوا لذلك أن المأموم لا يحتاج إلى أن يسمع تكبيرة الإمام، لأنه يرى ركوعه ويرى سجوده، بخلاف الرفع من الركوع والسجود، فإن المأموم لا يرى الإمام، فيحتاج أن يعلم رفعه بتكبيره.
ويدل على صحة ما قاله أحمد، من حديث ابن أبزى: أنه صلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم فلم يتم التكبير، وكان لا يكبر إذا خفض. هكذا رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة، عن الحسن ابن عمران، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه.
وقد ظن أبو عمر ابن عبد البر ـ كما ظن غيره ـ أن هؤلاء/ السلف ما كانوا يكبرون في الخفض والرفع. وجعل ذلك حجة على أنه ليس بواجب؛ لأنهم لا يقرون الأمة على ترك واجب، حتى إنه قد روي عن ابن عمر: أنه كان يكبر إذا صلى وحده في الفرض، وأما التطوع فلا. قال أبو عمر: لا يحكى أحمد عن ابن عمر إلا ما صح عنده إن شاء الله.
قال: وأما رواية مالك عن نافع عن ابن عمر: أنه كان يكبر في الصلاة كلما خفض ورفع، فيدل ظاهرها على أنه كذلك كان يفعل إمامًا وغير إمام.
قلت: ما روى مالك لا ريب فيه. والذي ذكره أحمد لا يخالف ذلك، ولكن غلط ابن عبد البر فيما فهم من كلام أحمد. فإن كلامه إنما كان في التكبير دبر الصلاة أيام العيد الأكبر، لم يكن التكبير في الصلاة، ولهذا فرق أحمد بين الفرض والنفل، فقال: أحب إلى أن يكبر في الفرض دون النفل. ولم يكن أحمد ولا غيره يفرقون في تكبير الصلاة بين الفرض والنفل، بل ظاهر مذهبه: أن تكبير الصلاة واجب في النفل، كما أنه واجب في الفرض. وإن قيل: هو سنة في الفرض قيل: هو سنة في النفل. فأما التفريق بينهما فليس قولا له ولا لغيره.
وأما الذي ذكره عن ابن عمر في تكبيره دبر الصلاة إذا كان منفردًا،/ فهو مشهور عنه.
وهي مسألة نزاع بين العلماء مشهورة. وقد قال ابن عبد البر، لما ذكر حديث أبي سلمة: إن أبا هريرة ـ رضي الله عنه ـ كان يصلي لهم، فيكبر كلما خفض ورفع، فلما انصرف، قال: والله إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال ابن عبد البر: إن الناس لم يكونوا كلهم يفعلون ذلك، ويدل عليه ما رواه ابن أبي ذئب في موطئه عن سعيد بن سمعان، عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: ثلاث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلهن، وتركهن الناس: كان إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مدًا، وكان يقف قبل القراءة هنيهة يسأل الله من فضله، وكان يكبر كلما رفع وخفض. قلت: هذه الثلاثة تركها طائفة من الأئمة والفقهاء ممن لا يرفع إلى دين ولا يوجب التكبير، ومن لا يستحب الاستفتاح والاستعاذة، ومن لا يجهر من الأئمة بتكبير الانتقال.
قال: وقد قال قوم من أهل العلم: إن التكبير إنما هو إيذان بحركات الإمام وشعار للصلاة، وليس بسنة إلا في الجماعة، أما من صلى وحده فلا بأس عليه ألا يكبر؛ ولهذا ذكر مالك هذا الحديث وحديث ابن شهاب عن على بن حسين قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يكبر في الصلاة كلما خفض ورفع، فلم تزل تلك صلاته حتى لقي الله عز وجل. وحديث ابن عمر وجابر ـ رضي الله عنهم ـ: / أنهما كانا يكبران كلما خفضًا ورفعًا في الصلاة. فكان جابر يعلمهم ذلك. قال: فذكر مالك هذه الأحاديث كلها ليبين لك أن التكبير من سنن الصلاة.
قلت: ما ذكره مالك، فكما ذكره. وأما ما ذكره ابن عبد البر من الخلاف، فلم أجده ذكر لذلك أصلًا، إلا ما ذكره أحمد عن علماء المسلمين: أن التكبير مشروع في الصلوات، وإنما ذكر ذلك مالك