الصفحة 362 من 1087

وهذا كان يفعله أبو هريرة ـ رضي اللّه عنه ـ لما كان أميرًا على المدينة، فإن معاوية كان يعاقب بينه وبين مروان بن الحكم في إمارة المدينة، فيولي هذا تارة ويولي هذا تارة. وكان مروان يستخلف، وكان أبو هريرة يصلي بهم بما هو أشبه بصلاة صلى الله عليه وسلم من صلاة مروان وغيره من أمراء المدينة.

وقوله: (في المكتوبة وغيرها) يعني: ما كان من النوافل، مثل قيام رمضان. كما أخرجه البخاري من حديث الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وأبي سلمة: أن أبا هريرة ـ رضي الله عنه ـ كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها في رمضان وغيره، فيكبر حين يقوم، ويكبر حين يركع، ثم يقول: سمع اللّه لمن حمده، ثم يقول: ربنا لك الحمد. وذكر نحوه.

وكان الناس قد اعتادوا ما يفعله غيره، فلم يعرفوا ذلك حتى سألوه، كما رواه مسلم من حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة: /أن أبا هريرة ـ رضي اللّه عنه ـ كان يكبر في الصلاة كلما رفع ووضع. فقلت: يا أبا هريرة، ماهذا التكبير؟ قال: إنها لصلاة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم. وهذا كله معناه: جهر الإمام بالتكبير؛ ولهذا كانوا يسمونه إتمام التكبير لما فيه من إتمامه برفع الصوت، وفعله في كل خفض ورفع.

يبين ذلك: أن البخاري ذكر في [باب التكبير عند النهوض من الركعتين] قال: وكان ابن الزبير يكبر في نهضته، ثم روى البخاري من حديث فُلَيْح بن سليمان عن سعيد بن الحارث. قال: صلى لنا أبو سعيد، فجهر بالتكبير حين رفع رأسه من السجود، وحين سجد وحين رفع، وحين قام من الركعتين. وقال: هكذا رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم. ثم أردفه البخاري بحديث مطرف: قال: صليت أنا وعمران بن حصين خلف على بن أبي طالب ـ رضي اللّه عنه ـ فكان إذا سجد كبر، وإذا رفع كبر، وإذا نهض من الركعتين كبر، فلما سلم أخذ عمران بن حصين بيدي. فقال: لقد صلى بنا هذا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم، أو قال: لقد ذكرني هذا صلاة محمدصلى الله عليه وسلم.

فهذا يبين أن الكلام إنما هو في الجهر بالتكبير، وأما أصل التكبير: فلم يكن مما يخفى على أحد. وليس هذا ـ أيضًا ـ مما يجهل،/ هل يفعله الإمام أم لا يفعله؟ فلا يصح لهم نفيه عن الأئمة. كما لا يصح نفي القراءة في صلاة المخافتة، ونفي التسبيح في الركوع والسجود، ونفي القراءة في الركعتين الآخرتين ونحو ذلك.

ولهذا استدل بعض من كان لا يتم التكبير، ولا يجهر به، بما روى عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبْزَى عن أبيه: أنه صلى مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم. وكان لا يتم التكبير. رواه أبو داود والبخاري في التاريخ الكبير. وقد حكى أبو داود الطيالسي أنه قال: هذا عندنا باطل. وهذا إن كان محفوظًا فلعل ابن أبزى صلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم في مؤخر المسجد. وكان النبي صلى الله عليه وسلم صوته ضعيفًا، فلم يسمع تكبيره، فاعتقد أنه لم يتم التكبير، وإلا فالأحاديث المتواترة عنه بخلاف ذلك. فلو خلافها كان شاذًا لا يتلفت إليه، ومع هذا فإن كثيرًا من الفقهاء المتأخرين يعتقدون أن إتمام التكبير هو نفس فعله ولو سرًا، وأن علي بن أبي طالب وأبا هريرة وغيرهما من الأئمة إنما أفادوا الناس نفس فعل التكبير في الانتقالات. ولازم هذا: أن عامة المسلمين ما كانوا يعرفون أن الصلاة لا يكبر في خفضها ولا رفعها.

وهذا غلط بلا ريب ولا نزاع بين من يعرف كيف كانت الأحوال، ولو كان المراد التكبير سرًا لم يصح نفي ذلك ولا إثباته؛ فإن المأموم/ لا يعرف ذلك من إمامه، ولا يسمى ترك التكبير بالكلية تركًا؛ لأن الأئمة كانوا يكبرون عند الافتتاح دون الانتقالات، وليس كذلك السنة، بل الأحاديث المروية تبين أن رفع الإمام وخفضه كان في جميعها التكبير. وقد قال إسحاق بن منصور: قلت:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت