الصفحة 361 من 1087

فإن قيل: فإذا كانت هذه صلاة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم التي اتفق الصحابة ـ رضي اللّه عنهم ـ على نقلها عنه. وقد نقلها أهل الصحاح والسنن والمسانيد من هذه الوجوه وغيرها، والصلاة عمود الدين، فكيف خفي ذلك على طائفة من فقهاء العراق وغيرهم، حتى لم يجعلوا الاعتدال من الركوع والقعود بين السجدتين من الأفعال المقاربة للركوع والسجود، ولا استحبوا في ذلك ذكرًا أكثر من التحميد بقول: (ربنا لك الحمد) ، حتى إن بعض المتفقهة قال: إذا طال ذلك طولًا كثيرًا بَطَلَت صلاته؟!

قيل: سبب ذلك وغيره: أن الذي مضت به السنة أن الصلاة يصليها بالمسلمين الأمراء وولاة الحرب. فوالي الجهاد كان هو أمير الصلاة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين وما بعد ذلك إلى أثناء دولة بني العباس. والخليفة هو الذي يصلي بالناس الصلوات الخمس والجمعة، لا يعرف المسلمون غير ذلك، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما سيكون بعده من تغير الأمراء، حتى قال: (سيكون من بعدي أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، فصلوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم معهم نافلة) ، فكان من هؤلاء من يؤخرها /عن وقتها حتى يضيع الوقت المشروع فيها، كما أن بعضهم كان لا يتم التكبير، أي لا يجهر بالتكبير في انتقالات الركوع وغيره، ومنهم من لا يتم الاعتدالين. وكان هذا يشيع في الناس فيربو في ذلك الصغير، ويهرم فيه الكبير، حتى إن كثيرًا من خاصة الناس لا يظن السنة إلا ذلك. فإذا جاء أمراء أحيوا السنة عرف ذلك. كما رواه البخاري في صحيحه عن قتادة عن عِكْرِمة قال: صليت خلف شيخ بمكة، فكبر اثنتين وعشرين تكبيرة. فقلت لابن عباس: إنه لأحمق. فقال: ثكلتك أمك، سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم.

وفي رواية أبي بشر عن عكرمة قال: رأيت رجلًا عند المقام يكبر في كل خفض ورفع، وإذا قام وإذا وضع، فأخبرت ابن عباس فقال: أو ليس تلك صلاة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم؟ لا أمَّ لك. وهذا يعني به: أن ذلك الإمام كان يجهر بالتكبير. فكان الأئمة الذين يصلي خلفهم عكرمة لا يفعلون ذلك، وابن عباس لم يكن إمامًا حتى يعرف ذلك منه، فأنكر ذلك عكرمة حتى أخبره ابن عباس، وأما نفس التكبير فلم يكن يشتبه أمره على أحد وهذا كما أن عامة الأئمة المتأخرين لا يجهرون بالتكبير، بل يفعل ذلك المؤذن ونحوه فيظن أكثر الناس أن هذه هي السنة. ولا خلاف / بين أهل العلم أن هذه ليست هي السنة، بل هم متفقون على ما ثبت عندهم بالتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المؤذن وغيره من المأمومين لا يجهرون بالتكبير دائمًا. كما أن بلالًا لم يكن يجهر بذلك خلف النبي صلى الله عليه وسلم، لكن إذا احتيج إلى ذلك، لضعف صوت الإمام، أو بعد المكان، فهذا قد احتجوا لجوازه بأن أبا بكر الصديق ـ رضي اللّه عنه ـ كان يُسْمع الناس التكبير خلف النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه، حتى تنازع الفقهاء في جهر المأموم لغير حاجة، هل يبطل صلاته أم لا؟

ومثل ذلك ما أخرجاه في الصحيحين والسنن عن مطرف بن عبد اللّه بن الشِّخِّير قال: صليت خلف على بن أبي طالب أنا وعمران بن حصين فكان إذا سجد كبر، وإذا رفع رأسه كبر، وإذا نهض من الركعتين كبر. فلما قضى الصلاة أخذ عمران بن حصين بيدي. فقال: قد ذكرني هذا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم، أو قال: لقد صلى بنا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم. ولهذا لما جهر بالتكبير سمعه عمران ومطرف، كما سمعه غيرهما.

ومثل هذا ما في الصحيحين والسنن ـ أيضًا ـ عن أبي هريرة ـ رضي اللّه عنه ـ: أنه كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها: يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر /حين يقوم من الجلوس من الثنتين: يفعل ذلك في كل ركعة حتى يفرغ من الصلاة، ثم يقول حين ينصرف: والذي نفسي بيده، إني لأقربكم شبها بصلاة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، إن كانت هذه لصلاته حتى فارق الدنيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت