ثابت قال: قال أنس ـ رضي اللّه عنه ـ ينعت لنا صلاة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ـ: وكان يصلي، فإذا رفع رأسه من الركوع قام حتى يقول القائل: قد نسي.
فهذه أحاديث أنس الصحيحة تصرح أن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم التي كان يوجزها ويكملها، والتي كانت أخف الصلاة وأتمها أنه صلى الله عليه وسلم كان يقوم فيها من الركوع حتى يقول القائل: إنه قد نسي، ويقعد بين السجدتين حتى يقول القائل: قد نسي. وإذا كان في هذا يفعل ذلك، فمن المعلوم باتفاق المسلمين والسنة المتواترة: أن الركوع والسجود لا ينقصان عن هذين الاعتدالين، بل كثير من العلماء يقول: لا يشرع ولا يجوز أن يجعل هذين الاعتدالين بقدر الركوع والسجود، بل ينقصان عن الركوع والسجود.
وفي الصحيحين من حديث شعبة عن الحكم قال: غلب على الكوفة رجل ـ قد سماه زَمَن ابن الأشعث، وسماه غُنْدَر في رواية: مطر بن ناجية ـ فأمر أبا عبيدة بن عبد اللّه أن يصلي بالناس فكان يصلي، فإذا رفع رأسه من الركوع قام قدر ما أقول: (اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بَعْدُ، أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد) . قال الحكم: فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن أبي/ ليلى. قال: سمعت البراء بن عازب يقول: كانت صلاة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم. قيامه وركوعه، وإذا رفع رأسه من الركوع وسجوده وما بين السجدتين: قريبًا من السواء. قال شعبة: فذكرته لعمرو بن مُرَّة. فقال: قد رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى، فلم تكن صلاته هكذا. ولفظ مطر عن شعبة: كان ركوع النبي صلى الله عليه وسلم وسجوده وبين السجدتين، وإذا رفع رأسه من الركوع ـ ما خلا القيام والقعود ـ قريبًا من السواء. وهو في الصحيح والسنن من حديث هلال بن أبي حميد عن ابن أبي ليلى عن البراء بن عازب قال: رمقت الصلاة مع محمد صلى الله عليه وسلم. فوجدت قيامه، فركوعه، فاعتداله بعد ركوعه، فسجدته، فجلسته بين السجدتين، فسجدته، فجلسته ما بين التسليم والانصراف: قريبًا من السواء.
ويشهد لهذا ما رواه مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي سعيد الخدري ـ رضي اللّه عنه ـ أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يقول حين يرفع رأسه من الركوع: (سمع الّله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد: لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد) .
وقوله: (أحق ما قال العبد) هكذا هو في الحديث. وهو/ خبر مبتدأ محذوف. وأما ما ذكره بعض المصنفين من الفقهاء والصوفية من قوله: (حق ما قال العبد) فهو تحريف بلا نزاع بين أهل العلم بالحديث والسنة، ليس له أصل في الأثر. ومعناه ـ أيضًا ـ فاسد؛ فإن العبد يقول الحق والباطل، وأما الرب ـ سبحانه وتعالى ـ فهو يقول الحق ويهدى السبيل، كما قال تعالى: {قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ} [ص: 84] .
وأيضًا، فليست الصلاة مبنية إلا على الثناء على اللّه ـ عز وجل.
وروى مسلم ـ وغيره ـ عن عطاء، عن ابن عباس ـ رضي اللّه عنهما ـ: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: (اللهم ربنا لك الحمد، ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد: لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد) .
وروى مسلم ـ وغيره ـ عن عبد اللّه بن أبي أوْفي قال: كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع يقول: (سمع اللّه لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد) . وفي رواية أخرى لمسلم زاد بعد هذا: أنه/ كان يقول: (اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس) .