فهرس الكتاب
فتبين أن أكابر الفقهاء من أصحاب عبد اللهبن مسعود لم يكونوا هم الذين أنكروا ذلك، مع أن من الناس إذا سمع هذا الإطلاق صرفه إلى إبراهيم النخعي. وقد عرفت أن المشهور أن علقمة يظن أن إبراهيم وأمثاله أنكروا ذلك، وهم رأوا ذلك، وهم أخذوا العلم عن عبد الله ونحوه. فقد تبين أن الأمر ليس كذلك.
وسئل ـ رحمه الله عمن يحصل له الحضور في الصلاة تارة، ويحصل له الوسواس تارة، فما الذي يستعين به على دوام الحضور في الصلاة؟ وهل تكون تلك الوساوس مبطلة للصلاة؟ أو منقصة لها أم لا؟ وفي قول عمر: إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة. هل كان ذلك يشغله عن حاله في جمعيته أو لا؟.
فأجاب:
الحمد لله رب العالمين، الوسواس لا يبطل الصلاة إذا كان قليلًا باتفاق أهل العلم، بل ينقص الأجر، كما قال ابن عباس: ليس لك من صلاتك إلا ما عَقِلْتَ منها.
وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن العبد لينصرف من صلاته، ولم يكتب له منها إلا نصفها، إلا ثلثها، إلا ربعها، إلا خمسها، إلا سدسها، إلا سبعها، إلا ثمنها، إلا تسعها، إلا عشرها) .
/ويقال: إن النوافل شرعت لجبر النقص الحاصل في الفرائض، كما في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أول ما يحاسب عليه العبد من عمله الصلاة، فإن أكملها، وإلا قيل: انظروا هل له من تطوع، فإن كان له تطوع أكملت به الفريضة، ثم يصنع بسائر أعماله) . وهذا الإكمال يتناول ما نقص مطلقًا.
وأما الوسواس الذي يكون غالبًا على الصلاة فقد قال طائفة ـ منهم أبو عبد الله بن حامد، وأبو حامد الغزالي وغيرهما ـ: إنه يوجب الإعادة أيضًا، لما أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان، وله ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضي التأذين أقبل، فإذا ثوِّب بالصلاة أدبر، فإذا قضي التثويب أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه، فيقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر، حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى، فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين قبل أن يسلم) . وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (الصلاة مع الوسواس مطلقًا) . ولم يفرق بين القليل والكثير.
ولا ريب أن الوسواس كلما قل في الصلاة كان أكمل، كما في الصحيحين من حديث عثمان ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لم يحدث/فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه) . وكذلك في الصحيح أنه قال: (من توضأ فأحسن الوضوء، ثم صلى ركعتين يقبل عليهما بوجهه، وقلبه غفر له ما تقدم من ذنبه) .
وما زال في المصلين من هو كذلك، كما قال سعد بن معاذ ـ رضي الله عنه ـ: في ثلاث خصال، لو كنت في سائر أحوالي أكون فيهن كنت أنا أنا؛ إذا كنت في الصلاة لا أحدث نفسي بغير ما أنا فيه؛ وإذا سمعت من رسول صلى الله عليه وسلم حديثًا لا يقع في قلبي ريب أنه الحق، وإذا كنت في جنازة لم أحدث نفسي بغير ما تقول، ويقال لها. وكان مسلمة بن بشار يصلي في المسجد، فانهدم طائفة منه وقام الناس، وهو في الصلاة لم يشعر. وكان عبد الله بن الزبير ـ رضي الله عنه ـ يسجد، فأتى المنجنيق فأخذ طائفة من ثوبه وهو في الصلاة لا يرفع رأسه. وقالوا لعامر بن عبد القيس: أتحدث نفسك بشيء في الصلاة فقال: أو شيء أحب إلي من الصلاة أحدث به نفسي؟ قالوا: إنا لنحدث أنفسنا في الصلاة، فقال: أبالجنة والحور ونحو ذلك؟ فقالوا: لا، ولكن بأهلينا وأموالنا، فقال: لأن تختلف الأسنة في أحب إلي. وأمثال هذا متعدد.
والذي يعين على ذلك شيئان: قوة المقتضي، وضعف الشاغل.