الصفحة 368 من 1087

أما الأول: فاجتهاد العبد في أن يعقل ما يقوله ويفعله، ويتدبر/القراءة والذكر والدعاء، ويستحضر أنه مناج لله تعالى، كأنه يراه، فإن المصلي إذا كان قائمًا فإنما يناجي ربه. والإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، ثم كلما ذاق العبد حلاوة الصلاة كان انجذابه إليها أوكد، وهذا يكون بحسب قوة الإيمان. والأسباب المقوية للإيمان كثيرة؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (حبب إلى من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة) . وفي حديث آخر أنه قال: (أرحنا يابلال بالصلاة) . ولم يقل: أرحنا منها. وفي أثر آخر: (ليس بمستكمل للإيمان من لم يزل مهمومًا حتى يقوم إلى الصلاة) ، أو كلام يقارب هذا. وهذا باب واسع.

فإن ما في القلب من معرفة الله ومحبته وخشيته، وإخلاص الدين له، وخوفه ورجائه، والتصديق بأخباره، وغير ذلك، مما يتباين الناس فيه، ويتفاضلون تفاضلًا عظيمًا، ويقوي ذلك كلما ازداد العبد تدبرًا للقرآن، وفهمًا، ومعرفة بأسماء الله وصفاته وعظمته، وتفقره إليه في عبادته واشتغاله به، بحيث يجد اضطراره إلى أن يكون ـ تعالى ـ معبوده ومستغاثه أعظم من اضطراره إلى الأكل والشرب، فإنه لا صلاح له إلا بأن يكون الله هو معبوده الذي يطمئن إليه، ويأنس به، ويلتذ بذكره، ويستريح به، ولا حصول لهذا إلا بإعانة الله، ومتى كان/للقلب إله غير الله فسد وهلك هلاكًا لا صلاح معه، ومتي لم يعنه الله على ذلك لم يصلحه، ولا حول ولا قوة إلا به، ولا ملجأ ولا منجا منه إلا إليه.

ولهذا يروى أن الله أنزل مائة كتاب وأربعة كتب، جمع علمها في الكتب الأربعة، وجمع الكتب الأربعة في القرآن، وجمع علم القرآن في المفصل، وجمع علم المفصل في فاتحة الكتاب، وجمع علم فاتحة الكتاب في قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} . ونظير ذلك قوله: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} [هود: 123] ، وقوله: {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ} [الرعد: 30] ، وقوله: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 2، 3] ، وقد قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 65] ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله) . وبسط هذا طويل لا يحتمله هذا الموضع.

وأما زوال العارض، فهو الاجتهاد في دفع ما يشغل القلب من تفكر الإنسان فيما لا يعنيه، وتدبر الجواذب التي تجذب القلب عن مقصود الصلاة، وهذا في كل عبد بحسبه، فإن كثرة الوسواس بحسب كثرة الشبهات والشهوات، وتعليق القلب بالمحبوبات التي ينصرف القلب إلى طلبها، والمكروهات التي ينصرف القلب إلى دفعها.

/والوساوس إما من قبيل الحب، من أن يخطر بالقلب ما قد كان أو من قبيل الطلب، وهو أن يخطر في القلب ما يريد أن يفعله. ومن الوساوس ما يكون من خواطر الكفر والنفاق، فيتألم لها قلب المؤمن تألمًا شديدًا، كما قال الصحابة: يارسول الله إن أحدنا ليجد في نفسه ما لأن يخر من السماء أحب إليه من أن يتكلم به، فقال: (أوجدتموه؟) قالوا: نعم. قال: (ذلك صريح الإيمان) . وفي لفظ: إن أحدنا ليجد في نفسه ما يتعاظم أن يتكلم به، فقال: (الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة) .

قال كثير من العلماء: فكراهة ذلك وبغضه، وفرار القلب منه، هو صريح الإيمان، والحمد لله الذي كان غاية كيد الشيطان الوسوسة، فإن شيطان الجن إذا غلب وسوس، وشيطان الإنس إذا غلب كذب، والوسواس يعرض لكل من توجه إلى اللهتعالى بذكر أو غيره، لابد له من ذلك، فينبغي للعبد أن يثبت ويصبر، ويلازم ما هو فيه من الذكر والصلاة، ولا يضجر، فإنه بملازمة ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت