فهرس الكتاب
ينصرف عنه كيد الشيطان، {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} [النساء: 76] ، وكلما أراد العبد توجهًا إلى الله تعالى ـ بقلبه جاء من الوسواس أمور أخرى، فإن الشيطان بمنزلة قاطع الطريق، كلما أراد العبد يسير إلى الله تعالى ـ أراد قطع الطريق عليه؛ ولهذا قيل لبعض السلف: إن اليهود والنصارى يقولون: لا/ نوسوس، فقال: صدقوا، وما يصنع الشيطان بالبيت الخراب. وتفاصيل ما يعرض للسالكين طويل موضعه.
وأما ما يروى عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ من قوله: إني لأجهز جيشي، وأنا في الصلاة. فذاك لأن عمر كان مأمورًا بالجهاد، وهو أمير المؤمنين فهو أمير الجهاد. فصار بذلك من بعض الوجوه بمنزلة المصلي الذي يصلي صلاة الخوف حال معاينة العدو، إما حال القتال، وإما غير حال القتال، فهو مأمور بالصلاة، ومأمور بالجهاد فعليه أن يؤدي الواجبين بحسب الإمكان، وقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ} [الأنفال: 54] . ومعلوم أن طمأنينة القلب حال الجهاد لا تكون كطمأنينته حال الأمن، فإذا قدر أنه نقص من الصلاة شيء لأجل الجهاد لم يقدح هذا في كمال إيمان العبد وطاعته؛ ولهذا تخفف صلاة الخوف عن صلاة الأمن. ولما ذكر ـ سبحانه وتعالى ـ صلاة الخوف قال: {فَإِذَا اطْمَانَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا} [النساء: 103] ، فالإقامة المأمور بها حال الطمأنينة لا يؤمر بها حال الخوف.
ومع هذا، فالناس متفاوتون في ذلك، فإذا قوي إيمان العبد كان حاضر القلب في الصلاة، مع تدبره للأمور بها، وعمر قد/ ضرب الله الحق على لسانه وقلبه، وهو المحدث الملهم، فلا ينكر لمثله أن يكون له مع تدبيره جيشه في الصلاة من الحضور ما ليس لغيره، لكن لا ريب أن حضوره مع عدم ذلك يكون أقوى، ولا ريب أن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم حال أمنه كانت أكمل من صلاته حال الخوف في الأفعال الظاهرة، فإذا كان الله قد عفا حال الخوف عن بعض الواجبات الظاهرة، فكيف بالباطنة.
وبالجملة، فتفكر المصلي في الصلاة في أمر يجب عليه قد يضيق وقته ليس كتفكره فيما ليس بواجب، أو فيما لم يضق وقته، وقد يكون عمر لم يمكنه التفكر في تدبير الجيش إلا في تلك الحال، وهو إمام الأمة والواردات عليه كثيرة. ومثل هذا يعرض لكل أحد بحسب مرتبته، والإنسان دائمًا يذكر في الصلاة مالا يذكره خارج الصلاة، ومن ذلك ما يكون من الشيطان، كما يذكر أن بعض السلف ذكر له رجل أنه دفن مالا وقد نسي موضعه، فقال: قم فصل، فقام فصلى، فذكره، فقيل له: من أين علمت ذلك؟ قال: علمت أن الشيطان لا يدعه في الصلاة حتى يذكره بما يشغله، ولا أهم عنده من ذكر موضع الدفن. لكن العبد الكيس يجتهد في كمال الحضور، مع كمال فعل بقية المأمور، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وسئل عمن يحفظ القرآن: أيما أفضل له تلاوة القرآن مع أمن النسيان أو التسبيح وما عداه من الاستغفار والأذكار في سائر الأوقات مع علمه بما ورد في [الباقيات الصالحات] ، و [التهليل] ، و [لا حول ولا قوة إلا بالله] ، و [سيد الاستغفار] ، [وسبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم] ؟
فأجاب:
الحمد لله، جواب هذه المسألة ونحوها مبني على أصلين: فالأصل الأول أن جنس تلاوة القرآن أفضل من جنس الأذكار، كما أن جنس الذكر أفضل من جنس الدعاء، كما في الحديث الذي في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أفضل الكلام بعد القرآن أربع ـ وهن من القرآن ـ: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) .