فهرس الكتاب
/وفي الترمذي عن أبي سعيد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من شغله قراءة القرآن عن ذكري ومسألتي، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين) ، وكما في الحديث الذي في السنن في الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني لا أستطيع أن آخذ شيئًا من القرآن، فعلمني ما يجزئني في صلاتي. قال: (قل: سبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) ؛ ولهذا كانت القراءة في الصلاة واجبة، فإن الأئمة لا تعدل عنها إلى الذكر إلا عند العجز. والبدل دون المبدل منه.
وأيضًا، فالقراءة تشترط لها الطهارة الكبرى، دون الذكر والدعاء، وما لم يشرع إلا على الحال الأكمل فهو أفضل، كما أن الصلاة لما اشترط لها الطهارتان، كانت أفضل من مجرد القراءة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة) . ولهذا نص العلماء على أن أفضل تطوع البدن الصلاة.
وأيضًا، فما يكتب فيه القرآن لا يمسه إلا طاهر. وقد حكي إجماع العلماء على أن القراءة أفضل، لكن طائفة من الشيوخ رجحوا الذكر. ومنهم من زعم أنه أرجح في حق المنتهي المجتهد، كما ذكر ذلك أبو حامد في كتبه. ومنهم من قال: هو أرجح في حق المبتدئ السالك، وهذا أقرب إلى الصواب.
/وتحقيق ذلك يذكر في الأصل الثاني، وهو: أن العمل المفضول قد يقترن به ما يصيره أفضل من ذلك وهو نوعان:
أحدهما: ما هو مشروع لجميع الناس.
والثاني: ما يختلف باختلاف أحوال الناس. أما الأول فمثل أن يقترن إما بزمان أو بمكان، أو عمل يكون أفضل: مثل ما بعد الفجر والعصر، ونحوهما من أوقات النهى عن الصلاة؛ فإن القراءة والذكر والدعاء أفضل في هذا الزمان، وكذلك الأمكنة التي نهى عن الصلاة فيها: كالحمام وأعطان الإبل والمقبرة فالذكر والدعاء فيها أفضل، وكذلك الجنب: الذكر في حقه أفضل، والمحدث: القراءة والذكر في حقه أفضل، فإذا كره الأفضل في حال حصول مفسدة، كان المفضول هناك أفضل، بل هو المشروع.
وكذلك حال الركوع والسجود، فإنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، أما الركوع، فعظموا فيه الرب، وأما السجود، فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم) . وقد اتفق العلماء على كراهة القراءة في الركوع والسجود، وتنازعوا في بطلان الصلاة بذلك، على قولين، هما وجهان في مذهب الإمام أحمد، وذلك تشريفا للقرآن وتعظيمًا له ألا يقرأ في / حال الخضوع والذل، كما كره أن يقرأ مع الجنازة، وكما كره أكثر العلماء قراءته في الحمام.
وما بعد التشهد هو حال الدعاء المشروع بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأمره. والدعاء فيه أفضل، بل هو المشروع، دون القراءة والذكر، وكذلك الطواف وبعرفة ومزدلفة وعند رمي الجمار: المشروع هناك هو الذكر والدعاء. وقد تنازع العلماء في القراءة في الطواف هل تكره أم لا تكره؟ على قولين مشهورين.
والنوع الثاني: أن يكون العبد عاجزًا عن العمل الأفضل، إما عاجزًا عن أصله، كمن لا يحفظ القرآن ولا يستطيع حفظه كالأعرابي الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم، أو عاجزًا عن فعله على وجه الكمال مع قدرته على فعل المفضول على وجه الكمال. ومن هنا قال من قال: إن الذكر أفضل من القرآن، فإن الواحد من هؤلاء قد يخبر عن حاله. وأكثر السالكين بل العارفين منهم إنما يخبر أحدهم عما ذاقه ووجده، لا يذكر أمرًا عامًا للخلق؛ إذ المعرفة تقتضي أمورًا معينة جزئية، والعلم يتناول أمرًا عامًا كليا. فالواحد من هؤلاء يجد في الذكر من اجتماع قلبه، وقوة