فهرس الكتاب
إيمانه، واندفاع الوسواس عنه، ومزيد السكينة، والنور، والهدي: ما لا يجده في قراءة القرآن، بل إذا قرأ القرآن لا يفهمه أو لا يحضر قلبه وفهمه، ويلعب عليه الوسواس / والفكر، كما أن من الناس من يجتمع قلبه في قراءة القرآن وفهمه وتدبره ما لا يجتمع في الصلاة، بل يكون في الصلاة بخلاف ذلك، وليس كل من كان أفضل يشرع لكل أحد بل كل واحد يشرع له أن يفعل ما هو أفضل له.
فمن الناس من تكون الصدقة أفضل له من الصيام وبالعكس، وإن كان جنس الصدقة أفضل. ومن الناس من يكون الحج أفضل له من الجهاد كالنساء، وكمن يعجز عن الجهاد، وإن كان جنس الجهاد أفضل. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الحج جهاد كل ضعيف) ونظائر هذا متعددة.
إذا عرف هذان الأصلان، عرف بهما جواب هذه المسائل. إذا عرف هذا فيقال: الأذكار المشروعة في أوقات معينة ـ مثل ما يقال عند جواب المؤذن هو أفضل من القراءة في تلك الحال، وكذلك ما سنه النبي صلى الله عليه وسلم فيما يقال عند الصباح والمساء، وإتيان المضجع هو مقدم على غيره. وأما إذا قام من الليل فالقراءة له أفضل إن أطاقها وإلا فليعمل ما يطيق، والصلاة أفضل منهما؛ ولهذا نقلهم عند نسخ وجوب قيام الليل إلى القراءة فقال: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عليكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} الآية [المزمل: 20] ، والله أعلم.
فصل
قد ذكر الله قيام الليل في عدة آيات. تارة بالمدح، وتارة بالأمر أمر إيجاب، ثم نسخه بأمر الاستح
باب، إذا لم تدخل صلاة العشاء فيه، بل أريد القيام بعد النوم؛ فإنه قد قال سعيد ابن المسيب وغيره: من صلى العشاء في جماعة، فقد أخذ بنصيبه من قيام ليلة القدر. فقد جعل ذلك من القيام.
وقد روي عن عبيدة السلماني: أن قيام الليل واجب لم ينسخ، ولو كحلب شاة. وهذا إذا أريد به ما يتناول صلاة الوتر، فهو قول كثير من العلماء.
والدليل عليه: أن في حديث ابن مسعود لما قال: (أوتروا يا أهل القرآن) ، قال أعرابي: ما يقول رسول الله؟ فقال: (إنها ليست لك، ولا لأصحابك) . فقد خاطب أهل القرآن من قيام الليل بما لم يخاطب به غيرهم.
/وعلى هذا قوله: {فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} [المزمل: 20] ، فسر بقرائته بالليل لئلا ينساه. وقال: (نظرت في سيئات أمتي. فوجدت فيها الرجل يؤتيه الله آية فينام عنها حتى ينساها) . وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من صلى العشاء في جماعة. فكأنما قام نصف الليل ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله) ، أي: الصبح مع العشاء. فهذا يدل على أنهما ليسا من قيام الليل، ولكن فاعلهما كمن قام الليل. قال تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات: 15ـ 18] ، وقال: {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ} [آل عمران: 17] ، وهذا على أصح الأقوال ـ معناه: كانوا يهجعون قليلًا. فـ [قليلًا] منصوب بـ [يهجعون] و [ما] مؤكدة. وهذا مثل قوله: {بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 88] ، وقوله: {كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} [الذاريات: 17] ، هو مفسر في سورة المزمل بقوله: {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عليه وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [المزمل: 2،4] ، فهذا المستثنى من الأمر هو القليل المذكور في تلك السورة، وهو قليل