فهرس الكتاب
وهو ـ سبحانه ـ يذم الكفار بهذا، وهذا كقوله: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ} [المدثر: 49،51] ، وقوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت: 26] ، وقوله: {كِتَابٌ فصلتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} [فصلت: 3،4] ، ونظائره كثيرة.
وقال فيمن لم يفهمها ويتدبرها: {وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ} [الأنفال: 23] ، فذمهم على أنهم لا يفهمون، ولو فهموا لم يعملوا بعلمهم. وقال تعالى: {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ} [الأنفال: 21،23] ، وقال: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عليها صُمًّا وَعُمْيَانًا} [الفرقان: 73] .
قال ابن قتيبة: لم يتغافلوا عنها، فكأنهم صم لم يسمعوها عمي لم يروها. وقال غيره من أهل اللغة: لم يبقوا على حالهم الأولى، كأنهم لم يسمعوا، ولم يروا، وإن لم يكونوا خروا حقيقة. تقول العرب: شتمت فلانا فقام يبكي، وقعد يندب، وأقبل يتعذر، وظل يفتخر، وإن لم يكن قام، ولا قعد.
قلت: في ذكره ـ سبحانه ـ لفظ الخرور دون غيره، حكمة. فإنهم لو خروا وكانوا صما وعميانًا، لم يكن ذلك ممدوحا، بل معيبا. فكيف إذا كانوا صما وعميانا بلا خرور. فلابد من شيئين: من الخرور، والسجود. ولابد من السمع والبصر لما في آياته من النور والهدي / والبيان، وكذلك لما شرعت الصلاة شرع فيها القراءة، في القيام، ثم الركوع، والسجود.
فأول ما أنزل الله من القرآن: {اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1] ، فافتتحها بالأمر بالقراءة، وختمها بالأمر بالسجود، فقال: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق: 19] ، فقوله تعالى: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} [السجدة: 15] ، يدل على أن التذكير بها كقراءتها في الصلاة موجب للسجود والتسبيح، وأنه من لم يكن إذا ذكر بها يخر ساجدًا، ويسبح بحمد ربه، فليس بمؤمن، وهذا متناول الآيات التي ليس فيها سجود، وهي جمهور آيات القرآن، ففي القرآن أكثر من ستة آلاف آية، وأما آيات السجدة، فبضع عشرة آية.
وقوله: {ذُكِّرُوا بِهَا} ، يتناول جميع الآيات، فالتذكير بها جميعها موجب للتسبيح والسجود، وهذا مما يستدل به على وجوب التسبيح والسجود. وعلى هذا، تدل عامة أدلة الشريعة من الكتاب والسنة ـ تدل على وجوب جنس التسبيح ـ فمن لم يسبح في السجود، فقد عصي الله ورسوله، وإذا أتي بنوع من أنواع التسبيح المشروع أجزأه.
وللفقهاء في هذه المسألة ثلاثة أقوال. قيل: لا يجب ذكر بحال، / وقيل: يجب ويتعين قوله: {سبحان ربي الأعلى} ، لا يجزئ غيره. وقيل: يجب جنس التسبيح، وإن كان هذا النوع أفضل من غيره؛ لأنه أمر به أن يجعل في السجود. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنواع أخر. وقوله: (اجعلوها في سجودكم) ، فيه كلام ليس هذا موضعه، إذ قد يقال المسبح لربه: بأي اسم سبحه، فقد سبح اسم ربه الأعلى. كما أنه بأي اسم دعاه فقد دعا ربه الذي له الأسماء الحسني. كما قال: {قُلِ ادْعُوا اللّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَي} [الإسراء: 110] ، وقال: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَي فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180] .
فإذا كان يدعي بجميع أسمائه الحسني، وبأي اسم دعاه، فقد دعا الذي له الأسماء الحسني، وهو يسبح بجميع أسمائه الحسني، وبأي اسم سبح فقد سبح الذي له الأسماء الحسني، ولكن قد يكون بعض الأسماء أفضل من بعض. وبسط هذا له موضع آخر.
والمقصود هنا أن الأمر بالسجود تابع لقراءة القرآن كله، كما في الآية. وفي قوله تعالى: {فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَإِذَا قُرِئَ عليهمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ} [الانشقاق 20،21] ، فهذا يتناول جميع