فهرس الكتاب
القرآن، وأنه من قرئ عليه القرآن فهو مأمور بالسجود، والمصلي قد قرئ عليه القرآن، وذلك سبب للأمر بالسجود، فلهذا يسمع القرآن ويسجد الإمام والمنفرد يسمع قراءة نفسه وهو يقرأ على نفسه القرآن. وقد / يقال: لا يصلون، لكن قوله: {خَرُّوا سُجَّدًا} [السجدة: 15] ، صريح في السجود المعروف؛ لاقترانه بلفظ الخرور. وأما هذه الآية ففيها نزاع، قال أبو الفرج: {وَإِذَا قُرِئَ عليهمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ} ، فيه قولان:
أحدهما: لا يصلون، قاله عطاء، وابن السائب.
والثاني: لا يخضعون له، ولا يستكينون له، قاله ابن جرير، واختاره القاضي أبو يعلى. قال: واحتج بها قوم على وجوب سجود التلاوة، وليس فيها دلالة على ذلك. وإنما المعني لا يخشعون، ألا تري أنه أضاف السجود إلى جميع القرآن، والسجود يختص بمواضع منه.
قلت: القول الأول هو الذي يذكره كثير من المفسرين، لا يذكرون غيره ـ كالثعلبي، والبغوي ـ وحكوه عن مقاتل، والكلبي وهو المنقول عن مفسري السلف، وعليه عامة العلماء.
وأما القول الثاني: فما علمت أحدًا نقله عن أحد من السلف. والذين قالوه إنما قالوه لما رأوا أنه لا يجب على كل من سمع شيئًا من القرآن أن يسجد، فأرادوا أن يفسروا الآية بمعني يجب في كل حال. فقالوا: يخضعون، ويستكينون. فإن هذا يؤمر / به كل من قرئ عليه القرآن.
ولفظ السجود يراد به مطلق الخضوع، والاستكانة. كما قد بسط هذا في مواضع، لكن يقال لهم: الخضوع مأمور به، وخضوع الإنسان وخشوعه، لا يتم إلا بالسجود المعروف، وهو فرض في الجملة على كل أحد، وهو المراد من السجود المضاف إلى بني آدم: حيث ذكر في القرآن: إذ هو خضوع الآدمي للرب، والرب لا يرضي من الناس بدون هذا الخضوع؛ إذ هو غاية خضوع العبد، ولكل مخلوق خضوع بحسبه، هو سجوده.
وأما إن يكون سجود الإنسان لا يراد به إلا خضوع ليس فيه سجود الوجه، فهذا لا يعرف، بل يقال: هم مأمورون: إذا قرئ عليهم القرآن بالسجود، وإن لم يكن السجود التام عقب استماع القرآن، فإنه لابد أن يكون بين صلاتين، فإذا قاموا إلى الصلاة، فقد أتوا بالسجود الواجب عليهم، وهم لما قرئ عليهم حصل لهم نوع من الخضوع والخشوع باعتقاد الوجوب والعزم على الامتثال. فإذا اعتقدوا وجوب الصلاة وعزموا على الامتثال، فهذا مبدأ السجود المأمور به، ثم إذا صلوا، فهذا تمامه. كما قال في المشركين: {فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5] ، فهم إذا تابوا والتزموا الصلاة كف عن قتالهم. فهذا مبدأ إقامتها، ثم إذا فعلوها فقد أتموا إقامتها. وأما إذا التزموها / بالكلام ولم يفعلوا فإنهم يقاتلون.
ومما يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه سجد بها في الصلاة. ففي الصحيحين عن أبي رافع قال: صليت مع أبي هريرة العتمة. فقرأ: {إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ} [سورة الانشقاق] ، فسجد فقلت: ما هذه؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم، ولا أزال أسجد بها حتى ألقاه، وهذا الحديث قد اتفق العلماء على صحته.
وأما سجوده فيها، فرواه مسلم دون البخاري. والسجود فيها قول جمهور العلماء كأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وغيرهم. وهو قول ابن وهب، وغيره من أصحاب مالك، فكيف يقال: إن لفظ السجود فيها لم يرد به إلا مطلق الخضوع والاستكانة، وأما السجود المعروف فلم يدل عليه اللفظ؟ ولو كان هذا صحيحًا، لم يكن السجود الخاص مشروعا إذا تليت، لاسيما في الصلاة، وبهذا يظهر جواب من أجاب من احتج بها على وجوب سجود التلاوة، بأن المراد الخضوع.
فإن قيل: فإذا فسر السجود بالصلاة، كما قاله الأكثرون، لم يجب سجود التلاوة. قيل: الصلاة مرادة من جنس قراءة القرآن. كما تقدم. وهذه الآية توجب على من قرئ عليه القرآن أن