فهرس الكتاب
وقد قالوا: إن الحج كل عام فرض على الكفاية؛ لأنه من شعائر الإسلام، والضحايا في عيد النحر كذلك، بل هذه تفعل في كل بلد / هي والصلاة، فيظهر بها عبادة الله وذكره، والذبح له، والنسك له، ما لا يظهر بالحج، كما يظهر ذكر الله بالتكبير في الأعياد. وقد جاءت الأحاديث بالأمر بها. وقد خرج وجوبها قولًا في مذهب أحمد، وهو قول أبي حنيفة، وأحد القولين في مذهب مالك، أو ظاهر مذهب مالك.
ونفاة الوجوب ليس معهم نص، فإن عمدتهم قوله صلى الله عليه وسلم: (من أراد أن يضحي ودخل العشر، فلا يأخذ من شعره، ولا من أظفاره) . قالوا: والواجب لا يعلق بالإرادة. وهذا كلام مجمل، فإن الواجب لا يوكل إلى إرادة العبد. فيقال: إن شئت فافعله، بل قد يعلق الواجب بالشرط لبيان حكم من الأحكام. كقوله: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا} [المائدة: 6] ، وقد قدروا فيه: إذا أردتم القيام، وقدروا: إذا أردت القراءة فاستعذ، والطهارة واجبة، والقراءة في الصلاة واجبة. وقد قال: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ} [التكوير: 27،28] ، ومشيئة الاستقامة واجبة.
وأيضًا، فليس كل أحد يجب عليه أن يضحي، وإنما تجب على القادر، فهو الذي يريد أن يضحي. كما قال: (من أراد الحج فليتعجل، فإنه قد تضل الضالة، وتعرض الحاجة) . والحج فرض على المستطيع. فقوله: (من أراد أن يضحي) ، كقوله: (من أراد الحج /فليتعجل) ووجوبها ـ حينئذ ـ مشروط بأن يقدر عليها فاضلا عن حوائجه الأصلية. كصدقة الفطر.
ويجوز أن يضحي بالشاة عن أهل البيت ـ صاحب المنزل ونسائه وأولاده، ومن معهم ـ كما كان الصحابة يفعلون. وما نقل عن بعض الصحابة من أنه لم يضح، بل اشتري لحمًا، فقد تكون مسألة نزاع. كما تنازعوا في وجوب العمرة، وقد يكون من لم يضح لم يكن له سعة في ذلك العام، وأراد بذلك توبيخ أهل المباهاة الذين يفعلونها لغير الله، أو أن يكون قصد بتركها ذلك العام توبيخهم، فقد ترك الواجب لمصلحة راجحة. كما قال صلى الله عليه وسلم: (لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم أنطلق معي برجال، معهم حزم حطب إلى قوم لايشهدون الصلاة، فأُحَرِّق عليهم بيوتهم بالنار، لولا ما في البيوت من النساء والذرية) . فكان يدع الجمعة والجماعة الواجبة؛ لأجل عقوبة المتخلفين، فإن هذا من باب الجهاد الذي قد يضيق وقته، فهو مقدم على الجمعة والجماعة.
ولو أن ولي الأمر ـ كالمحتسب وغيره ـ تخلف بعض الأيام عن الجمعة لينظر من لا يصليها فيعاقبه، جاز ذلك. وكان هذا من الأعذار المبيحة لترك الجمعة. فإن عقوبة أولئك واجب متعين لا يمكن إلا بهذا الطريق، والنبي صلى الله عليه وسلم قد بين أنه لولا النساء والصبيان،/ لحرق البيوت على من فيها، لكن فيها من لا تجب عليهم جمعة ولا جماعة من النساء والصبيان، فلا تجوز عقوبته. كما لا ترجم الحامل حتى تضع حملها؛ لأن قتل الجنين لا يجوز. كما في حديث الغامدية.
فصل
السفر في كتاب الله وسنة رسوله في القصر والفطر مطلق. ثم قد تنازع الناس في جنس السفر وقدره. أما جنسه فاختلفوا في نوعين:
أحدهما: حكمه. فمنهم من قال: لا يقصر إلا في حج أو عمرة أو غزو. وهذا قول داود وأصحابه إلا ابن حزم، قال ابن حزم: وهو قول جماعة من السلف، كما روينا من طريق ابن أبي عدي: حدثنا جرير، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن الأسود، عن ابن مسعود قال: لا يقصر الصلاة إلا حاج أو مجاهد. وعن طاوس أنه كان يسأل عن قصر الصلاة فيقول: إذا خرجنا حجاجًا أو عمارًا، صلىنا ركعتين. / وعن إبراهيم التيمي أنه كان لا يري القصر إلا في حج أو عمرة أو