فهرس الكتاب
جهاد. وحجة هؤلاء أنه ليس معنا نص يوجب عموم القصر للمسافر. فإن القرآن ليس فيه إلا قصر المسافر إذا خاف أن يفتنه الذين كفروا وهذا سفر الجهاد. وأما السنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قصر في حجه وعمره وغزواته، فثبت جواز هذا، والأصل في الصلاة الإتمام، فلا تسقط إلا حيث أسقطتها السنة.
ومنهم من قال: لا يقصر إلا في سفر يكون طاعة، فلا يقصر في مباح، كسفر التجارة. وهذا يذكر رواية عن أحمد، والجمهور يجوزون القصر في السفر الذي يجوز فيه الفطر، وهو الصواب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة) رواه عنه أنس بن مالك الكعبي، وقد رواه أحمد وغيره بإسناد جيد.
وأيضا، فقد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن يعلى بن أمية أنه قال لعمر بن الخطاب: {فَلَيْسَ عليكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101] . فقد أمن الناس. فقال: عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: (صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته) . وهذا يبين أن سفر الأمن يجوز فيه قصر العدد، وإن كان ذلك صدقة من الله علينا أمرنا / بقبولها. وقد قال طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد: إن شئنا قبلناها، وإن شئنا، لم نقبلها. فإن قبول الصدقة لا يجب؛ ليدفعوا ـ بذلك ـ الأمر بالركعتين. وهذا غلط. فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نقبل صدقة الله علينا، والأمر للإيجاب، وكل إحسانه إلينا صدقة علينا، فإن لم نقبل ذلك هلكنا.
وأيضًا، فقد ثبت عن عمر بن الخطاب أنه قال: صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم، وقد خاب من افترى. كما قال: صلاة الجمعة ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان. ولهذا نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سن للمسلمين الصلاة في جنس السفر ركعتين، كما سن الجمعة والعيدين، ولم يخص ذلك بسفر نسك أو جهاد.
وأيضًا، فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة أنها قالت: فرضت الصلاة ركعتين، فزيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر. وهذا يبين أن المسافر لم يؤمر بأربع قط. وحينئذ، فما أوجب الله على المسافر أن يصلى أربعًا، وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله لفظ يدل على أن المسافر فرض عليه أربع. وحينئذ، فمن أوجب على مسافر أربعًا، فقد أوجب ما لم يوجبه الله ورسوله.
/فإن قيل: قوله: [وضع] يقتضي أنه كان واجبًا قبل هذا، كما قال: إنه وضع عنه الصوم. ومعلوم أنه لم يجب على المسافر صوم رمضان قط، لكن لما انعقد سبب الوجوب فأخرج المسافر من ذلك سمي وضعًا، ولأنه كان واجبًا في المقام، فلما سافر وضع بالسفر كما يقال: من أسلم وضعت عنه الجزية، مع أنها لا تجب على مسلم بحال.
وأيضًا، فقد قال صفوان بن مُحْرِز: قلت لابن عمر: حدثني عن صلاة السفر. قال: أتخشي أن يكذب على؟ قلت: لا. قال: ركعتان، من خالف السنة كفر، وهذا معروف رواه أبو التَّياح عن مُوَرِّق العجلي عنه، وهو مشهور في كتب الآثار. وفي لفظ: صلاة السفر ركعتان ومن خالف السنة كفر. وبعضهم رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فبين أن صلاة السفر ركعتان وأن ذلك من السنة التي من خالفها فاعتقد خلافها فقد كفر. وهذه الأدلة دليل على أن من قال: إنه لا يقصر إلا في سفر واجب، فقوله ضعيف.
ومنهم من قال: لا يقصر في السفر المكروه ولا المحرم، ويقصر في المباح. وهذا ـ أيضًا ـ رواية عن أحمد. وهل يقصر في سفر النزهة؟ فيه عن أحمد روايتان:
وأما السفر المحرم: فمذهب الثلاثة مالك والشافعي وأحمد: لا يقصر فيه، وأما أبوحنيفة وطوائف من السلف والخلف فقالوا: يقصر في / جنس الأسفار، وهو قول ابن حزم وغيره. وأبو حنيفة