فهرس الكتاب
وابن حزم وغيرهما يوجبون القصر في كل سفر، وإن كان محرمًا، كما يوجب الجميع التيمم إذا عدم الماء في السفر المحرم، وابن عقيل رجح في بعض المواضع القصر والفطر في السفر المحرم.
والحجة مع من جعل القصر والفطر مشروعًا في جنس السفر، ولم يخص سفرًا من سفر. وهذا القول هو الصحيح. فإن الكتاب والسنة قد أطلقا السفر. قال تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] ، كما قال في آية التيمم: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} الآية [المائدة: 6] . وكما تقدمت النصوص الدالة على أن المسافر يصلى ركعتين، ولم ينقل قط أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خص سفرًا من سفر مع علمه بأن السفر يكون حرامًا ومباحًا، ولو كان هذا مما يختص بنوع من السفر، لكان بيان هذا من الواجبات، ولو بين ذلك لنقلته الأمة، وما علمت عن الصحابة في ذلك شيئًا.
وقد علق الله ورسوله أحكامًا بالسفر كقوله تعالى في التيمم: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} . وقوله في الصوم: {مَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ} . وقوله: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عليكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101] ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يمسح المسافر ثلاثة أيام وليإليهن) . وقوله: / (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع زوج أو ذي محرم) . وقوله: (إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة) . ولم يذكر قط في شيء من نصوص الكتاب والسنة تقييد السفر بنوع دون نوع، فيكف يجوز أن يكون الحكم معلقًا بأحد نوعي السفر ولا يبين الله ورسوله ذلك؟! بل يكون بيان الله ورسوله متناولًا للنوعين.
وهكذا في تقسيم السفر إلى طويل وقصير، وتقسيم الطلاق ـ بعد الدخول ـ إلى بائن ورجعي، وتقسيم الأيمان إلى يمين مكفرة وغير مكفرة. وأمثال ذلك مما علق الله ورسوله الحكم فيه بالجنس المشترك العام فجعله بعض الناس نوعين: نوعًا يتعلق به ذلك الحكم، ونوعًا لا يتعلق. من غير دلالة على ذلك من كتاب ولا سنة: لا نصًا، ولا استنباطًا.
والذين قالوا: لا يثبت ذلك في السفر المحرم عمدتهم قوله تعالى في الميتة: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عليه} [البقرة: 173] . وقد ذهب طائفة من المفسرين إلى أن الباغي: هو الباغي على الإمام الذي يجوز قتاله. والعادي: هو العادي على المسلمين، وهم المحاربون قطاع الطريق. قالوا: فإذا ثبت أن الميتة لا تحل لهم فسائر الرخص أولي، وقالوا: إذا اضطر العاصي بسفره أمرناه أن يتوب ويأكل، ولا نبيح له إتلاف نفسه. وهذا القول معروف عن أصحاب الشافعي وأحمد. / وأما أحمد ومالك: فجوزا له أكل الميتة دون القصر والفطر. قالوا: ولأن السفر المحرم معصية، والرخص للمسافر إعانة على ذلك فلا تجوز الإعانة على المعصية.
وهذه حجج ضعيفة. أما الآية فأكثر المفسرين قالوا: المراد بالباغي الذي يبغي المحرم من الطعام مع قدرته على الحلال، والعادي الذي يتعدي القدر الذي يحتاج إليه. وهذا التفسير هو الصواب دون الأول؛ لأن الله أنزل هذا في السور المكية: الأنعام، والنحل، وفي المدنية؛ ليبين ما يحل وما يحرم من الأكل، والضرورة لا تختص بسفر، ولو كانت في سفر، فليس السفر المحرم مختصًا بقطع الطريق والخروج على الإمام، ولم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم إمام يخْرَج عليه، ولا من شرط الخارج أن يكون مسافرًا، والبغاة الذين أمر الله بقتالهم في القرآن لا يشترط فيهم أن يكونوا مسافرين، ولا كان الذين نزلت الآية فيهم أولا مسافرين، بل كانوا من أهل العوالي مقيمين واقتتلوا بالنعال والجريد، فكيف يجوز أن تفسر الآية بما لا يختص بالسفر، وليس فيها كل سفر