الصفحة 381 من 1087

محرم؟ فالمذكور في الآية لو كان كما قيل، لم يكن مطابقًا للسفر المحرم، فإنه قد يكون بلا سفر، وقد يكون السفر المحرم بدونه.

وأيضًا، فقوله: {غَيْرَ بَاغٍ} ، حال من {اضْطُرَّ} . فيجب أن يكون /حال اضطراره وأكله الذي يأكل فيه غير باغ ولا عاد، فإنه قال: {فَلا إِثْمَ عليه} [البقرة: 173] . ومعلوم أن الإثم إنما ينفي عن الأكل الذي هو الفعل، لا عن نفس الحاجة إليه. فمعني الآية: فمن اضطر فأكل غير باغ ولا عاد. وهذا يبين أن المقصود أنه لا يبغي في أكله ولا يتعدي. والله ـ تعالى ـ يقرن بين البغي والعدوان. فالبغي ما جنسه ظلم، والعدوان مجاوزة القدر المباح، كما قرن بين الإثم والعدوان في قوله: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2] . فالإثم: جنس الشر. والعدوان: مجاوزة القدر المباح. فالبغي من جنس الإثم، قال تعالى: {وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} [الشوري: 14] وقال تعالى: {فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عليه} [البقرة: 182] . فالإثم جنس لظلم الورثة إذا كان مع العمد، وأما الجنف فهو الجنف عليهم بعمد وبغير عمد، لكن قال كثير من المفسرين: الجنف: الخطأ، والإثم: العمد؛ لأنه لما خص الإثم بالذكر وهو العمد بقي الداخل في الجنف الخطأ، ولفظ العدوان من باب تعدي الحدود، كما قال تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا} [البقرة: 229] . {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق: 1] ، ونحو ذلك. ومما يشبه هذا قوله: {ربَّنَا اغْفِرْلَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا} [آل عمران: 147] ، والإسراف مجاوزة الحد المباح، وأما الذنوب فما كان جنسه شر وإثم.

وأما قولهم: إن هذا إعانة على المعصية، فغلط؛ لأن المسافر مأمور / بأن يصلى ركعتين، كما هو مأمور أن يصلى بالتيمم. وإذا عدم الماء في السفر المحرم، كان عليه أن يتيمم ويصلى، وما زاد على الركعتين ليست طاعة ولا مأمورًا بها أحد من المسافرين. وإذا فعلها المسافر، كان قد فعل منهيا عنه، فصار صلاة الركعتين مثل أن يصلى المسافر الجمعة خلف مستوطن. فهل يصليها إلا ركعتين؟ وإن كان عاصيا بسفره، وإن كان إذا صلى وحده، صلى أربعًا.

وكذلك صومه في السفر ليس برًا ولا مأمورًا به، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنه قال: (ليس من البر الصيام في السفر) . وصومه إذا كان مقيمًا أحب إلى الله من صيامه في سفر محرم، ولو أراد أن يتطوع على الراحلة في السفر المحرم لم يمنع من ذلك. وإذا اشتبهت عليه القبلة: أما كان يتحري ويصلى؟ ولو أخذت ثيابه: أما كان يصلى عريانًا؟ فإن قيل: هذا لا يمكنه إلا هذا قيل: والمسافر لم يؤمر إلا بركعتين، والمشروع في حقه ألا يصوم، وقد اختلف الناس لو صام هل يسقط الفرض عنه؟ واتفقوا على أنه إذا صام بعد رمضان أجزأه، وهذه المسألة ليس فيها احتىط، فإن طائفة يقولون: من صلى أربعًا أو صام رمضان في السفر المحرم، لم يجزئه ذلك، كما لو فعل ذلك في السفر المباح عندهم.

وطائفة يقولون: لا يجزيه إلا صلاة أربع وصوم رمضان. وكذلك / أكل الميتة واجب على المضطر سواء كان في السفر أو الحضر، وسواء كانت ضرورته بسبب مباح أو محرم، فلو ألقي ماله في البحر واضطر إلى أكل الميتة، كان عليه أن يأكلها. ولو سافر سفرًا محرمًا فأتعبه حتى عجز عن القيام، صلى قاعدًا. ولو قاتل قتالا محرمًا حتى أعجزته الجراح عن القيام، صلى قاعدًا.

فإن قيل: فلو قاتل قتالا محرمًا: هل يصلى صلاة الخوف؟ قيل: يجب عليه أن يصلى ولا يقاتل، فإن كان لا يدع القتال المحرم فلا نبيح له ترك الصلاة، بل إذا صلى صلاة خائف كان خيرا من ترك الصلاة بالكلية، ثم هل يعيد؟ هذا فيه نزاع، ثم إن أمكن فعلها بدون هذه الأفعال المبطلة في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت