فهرس الكتاب
الوقت وجب ذلك عليه، لأنه مأمور بها، وأما إن خرج الوقت ولم يفعل ذلك، ففي صحتها وقبولها بعد ذلك نزاع.
النوع الثاني: من موارد النزاع: أن عثمان كان لا يري مسافرًا إلا من حمل الزاد والمزاد دون من كان نازلًا فكان لا يحتاج فيه إلى ذلك، كالتاجر والتاني والجابي الذين يكونون في موضع لا يحتاجون فيه إلى ذلك، ولم يقدر عثمان للسفر قدرًا، بل هذا الجنس عنده ليس بمسافر، وكذلك قيل: إنه لم ير نفسه والذين معه مسافرين بمنى لما صارت مني معمورة، وذكر ابن أبي شيبة عن ابن سيرين أنه قال: كانوا يقولون: السفر الذي تقصر فيه الصلاة الذي يحمل فيه الزاد والمزاد. ومأخذ هذا القول ـ والله أعلم ـ أن القصر إنما /كان في السفر، لا في المقام. والرجل إذا كان مقيمًا في مكان يجد فيه الطعام والشراب، لم يكن مسافرًا، بل مقيمًا، بخلاف المسافر الذي يحتاج أن يحمل الطعام والشراب. فإن هذا يلحقه من المشقة ما يلحق المسافر من مشقة السفر. وصاحب هذا القول كأنه رأي الرخصة إنما تكون للمشقة والمشقة إنما تكون لمن يحتاج إلى حمل الطعام والشراب.
وقد نقل عن غيره كلام يفرق فيه بين جنس وجنس. روى ابن أبي شيبة عن على بن مُسْهِر. عن أبي إسحاق الشيباني، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن عبد الله ابن مسعود، قال: لا يغرنكم سوادكم هذا من صلاتكم، فإنه من مصركم. فقوله: من [مصركم] ، يدل على أنه جعل السواد بمنزلة المصر لما كان تابعًا له. وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، قال: كنت مع حذيفة بالمدائن، فاستأذنته أن آتي أهلي بالكوفة فأذن لي. وشرط على ألا أفطر، ولا أصلى ركعتين حتى أرجع إليه، وبينهما نيف وستون ميلًا. وعن حذيفة: ألا يقصر إلى السواد. وبين الكوفة والسواد تسعون ميلًا. وعن معاذ بن جبل وعقبة بن عامر: لا يطأ أحدكم بماشية أحداب الجبال أو بطون الأودية وتزعمون أنكم سفر! لا ولا كرامة. إنما التقصير في السفر من الباءات من الأفق إلى الأفق.
/قلت: هؤلاء لم يذكروا مسافة محدودة للقصر لا بالزمان، ولا بالمكان، لكن جعلوا هذا الجنس من السير ليس سفرًا، كما جعل عثمان السفر ما كان فيه حمل زاد ومزاد. فإن كانوا قصدوا ما قصده عثمان من أن هذا لا يزال يسير في مكان يحمل فيه الزاد والمزاد فهو كالمقيم، فقد وافقوا عثمان. لكن ابن مسعود خالف عثمان في إتمامه بمنى. وإن كان قصدهم أن أعمال البلد تبع له كالسواد مع الكوفة. وإنما المسافر من خرج من عمل إلى عمل؛ كما في حديث معاذ: من أفق إلى أفق. فهذا هو الظاهر. ولهذا قال ابن مسعود عن السواد: فإنه من مصركم. وهذا كما أن ما حول المصر من البساتين والمزارع تابعة له، فهم يجعلون ذلك كذلك وإن طال، ولا يحدون فيه مسافة. وهذا كما أن [المخاليف] وهي الأمكنة التي يستخلف فيها من هو خليفة عن الأمير العام بالمصر الكبير، وفي حديث معاذ: من خرج من مِخْلاف إلى مِخْلاف.
يدل على ذلك ما رواه محمد بن بشار: حدثنا أبو عامر العَقَدي، حدثنا شعبة، سمعت قيس بن عمران بن عمير يحدث عن أبيه، عن جده: أنه خرج مع عبد الله بن مسعود ـ وهو رديفه على بغلة له ـ مسيرة أربعة فراسخ فصلى الظهر ركعتين. قال شعبة: أخبرني بهذا قيس بن عمران ـ وأبوه عمران بن عمير شاهد ـ وعمير مولي ابن مسعود. / هذا يدل على أن ابن مسعود لم يحد السفر بمسافة طويلة، ولكن اعتبر أمرًا آخر كالأعمال، وهذا أمر لا يحد بمسافة ولا زمان، لكن بعموم الولايات وخصوصها. مثل من كان بدمشق فإذا سافر إلى ما هو خارج عن أعمالها، كان مسافرًا. وأصحاب هذه الأقوال كأنهم رأوا ما رخص فيه للمسافر إنما رخص فيه للمشقة التي تلحقه في السفر، واحتىجه إلى الرخصة، وعلموا أن المتنقل في المصر الواحد من مكان إلى