الصفحة 383 من 1087

مكان، ليس بمسافر، وكذلك الخارج إلى ما حول المصر، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج إلى قباء كل سبت راكبًا وماشيا، ولم يكن يقصر، وكذلك المسلمون كانوا ينتابون الجمعة من العوالي ولم يكونوا يقصرون. فكان المتنقل في العمل الواحد بهذه المثابة عندهم.

وهؤلاء يحتج عليهم بقصر أهل مكة مع النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة ومزدلفة ومنى، مع أن هذه تابعة لمكة ومضافة إليها، وهي أكثر تبعًا لها من السواد للكوفة، وأقرب إليها منها. فإن بين باب بني شيبة وموقف الإمام بعرفة عند الصخْرات التي في أسفل جبل الرحمة، بريد بهذه المسافة وهذا السير، وهم مسافرون. وإذا قيل: المكان الذي يسافرون إليه ليس بموضع مقام. قيل: بل كان هناك قرية نَمِرة والنبي صلى الله عليه وسلم لم ينزل بها، وكان بها أسواق. وقريب منها عُرَنَة التي تصل واديها بعرفة. ولأنه لا فرق بين السفر / إلى بلد يقام فيه وبلد لا يقام فيه إذا لم يقصد الإقامة. فإن النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين سافروا إلى مكة وهي بلد يمكن الإقامة فيه وما زالوا مسافرين في غزوهم وحجهم وعمرتهم. وقد قصر النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة في جوف مكة عام الفتح، وقال: (يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر) . وكذلك عمر بعده فعل ذلك. رواه مالك بإسناد صحيح. ولم يفعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر بمنى، ومن نقل ذلك عنهم فقد غلط.

وهذا بخلاف خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى قباء كل سبت راكبًا وماشيا، وخروجه إلى الصلاة على الشهداء، فإنه قبل أن يموت بقليل صلى عليهم، وبخلاف ذهابه إلى البقيع، وبخلاف قصد أهل العوالي المدينة ليجمعوا بها، فإن هذا كله ليس بسفر. فإن اسم المدينة متناول لهذا كله، وإنما الناس قسمان: الأعراب، وأهل المدينة. ولأن الواحد منهم يذهب ويرجع إلى أهله في يومه من غير أن يتأهب لذلك أهبة السفر، فلا يحمل زادًا ولا مزادًا لا في طريقه ولا في المنزل الذي يصل إليه. ولهذا لا يسمى من ذهب إلى رَبَض مدينته مسافرًا، ولهذا

تجب الجمعة على من حول المصر عند أكثر العلماء وهو يقدر بسماع النداء، وبفرسخ، ولو كان ذلك سفرًا، لم تجب الجمعة على من ينشئ لها سفرًا؛ فإن الجمعة لا تجب على مسافر، فيكف يجب أن يسافر لها.

/وعلى هذا، فالمسافر لم يكن مسافرا لقطعه مسافة محدودة ولا لقطعه أيامًا محدودة، بل كان مسافرًا لجنس العمل الذي هو سفر، وقد يكون مسافرًا من مسافة قريبة ولا يكون مسافرًا من أبعد منها، مثل أن يركب فرسًا سابقًا ويسير مسافة بريد ثم يرجع من ساعته إلى بلده، فهذا ليس مسافرًا. وإن قطع هذه المسافة في يوم وليلة، ويحتاج في ذلك إلى حمل زاد ومزاد، كان مسافرًا، كما كان سفر أهل مكة إلى عرفة. ولو ركب رجل فرسًا سابقًا إلى عرفة ثم رجع من يومه إلى مكة، لم يكن مسافرًا.

يدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: (يمسح المسافر ثلاثة أيام وليإليهن، والمقيم يومًا وليلة) . فلو قطع بريدًا في ثلاثة أيام، كان مسافرًا ثلاثة أيام وليإليهن، فيجب أن يمسح مسح سفر، ولو قطع البريد في نصف يوم لم يكن مسافرًا، فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما اعتبر أن يسافر ثلاثة أيام سواء كان سفره حثيثا أو بطيئًا، سواء كانت الأيام طوالًا أو قصارًا، ومن قدره بثلاثة أيام أو يومين جعلوا ذلك بسير الإبل والأقدام، وجعلوا المسافة الواحدة حدًا يشترك فيه جميع الناس، حتى لو قطعها في يوم، جعلوه مسافرًا، ولو قطع ما دونها في عشرة أيام، لم يجعلوه مسافرًا، وهذا مخالف لكلام النبي صلى الله عليه وسلم.

/وأيضًا، فالنبي صلى الله عليه وسلم في ذهابه إلى قباء والعوالي واحد. ومجيء أصحابه من تلك المواضع إلى المدينة إنما كانوا يسيرون في عمران بين الأبنية والحوائط التي هي النخيل، وتلك مواضع الإقامة لا مواضع السفر، والمسافر لابد أن يسفر أي يخرج إلى الصحراء. فإن لفظ: [السفر] يدل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت