الصفحة 384 من 1087

على ذلك. يقال: سَفَرَت المرأة عن وجهها إذا كشفته. فإذا لم يبرز إلى الصحراء التي ينكشف فيها من بين المساكن، لا يكون مسافرًا، قال تعالى: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ} [التوبة: 101] . وقال تعالى: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللّهِ وَلاَ يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ} [التوبة: 120] فجعل الناس قسمين: أهل المدينة، والأعراب. والأعراب هم أهل العمود، وأهل المدينة هم أهل المدر.

فجميع من كان ساكنًا في مدر، كان من أهل المدينة، ولم يكن للمدينة سور يتميز به داخلها من خارجها، بل كانت محال، محال. وتسمي المحلة دارًا، والمحلة: القرية الصغيرة فيها المساكن وحولها النخل والمقابر، ليست أبنية متصلة. فبنو مالك بن النجار في قريتهم حوالي دورهم: أموالهم ونخيلهم، وبنو عدي بن النجار دارهم كذلك. وبنو مازن بن النجار كذلك. وبنو سالم كذلك. وبنو ساعدة كذلك. وبنو الحارث بن الخزرج كذلك. وبنو عمرو بن عوف كذلك. وبنو عبد / الأشهل كذلك، وسائر بطون الأنصار كذلك. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خير دور الأنصار دار بني النجار، ثم دار بني عبد الأشهل، ثم دار بني الحارث، ثم دار بني ساعدة. وفي كل دور الأنصار خير) . وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد نزل في بني مالك بن النجار، وهناك بني مسجده، وكان حائطًا لبعض بني النجار: فيه نخل وخرب وقبور، فأمر بالنخل فقطعت، وبالقبور فنبشت، وبالخرب فسويت، وبني مسجده هناك، وكانت سائر دور الأنصار حول ذلك.

قال ابن حزم: ولم يكن هناك مصر. قال: وهذا أمر لا يجهله أحد، بل هو نقل الكوافي عن الكوافي، وذلك كله مدينة واحدة، كما جعل الله الناس نوعين: أهل المدينة، ومن حولهم من الأعراب. فمن ليس من الأعراب فهو من أهل المدينة، لم يجعل للمدينة داخلًا وخارجًا وسورًا ورَبَضًا، كما يقال مثل ذلك في المدائن المسورة، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم حرم المدينة بريدًا في بريد، والمدينة بين لابتين، واللابة: الأرض التي ترابها حجارة سود، وقال: (ما بين لابتيها حرم) ، فما بين لابتيها كله من المدينة وهو حرم، فهذا بريد لا يكون الضارب فيه مسافرًا. وإن كان المكي إذا خرج إلى عرفات مسافرًا، فعرفة ومزدلفة ومنى صحاري خارجة عن مكة، ليست كالعوالي / من المدينة. وهذا ـ أيضًا ـ مما يبين أنه لا اعتبار بمسافة محدودة فإن المسافر في المصر الكبير لو سافر يومين أو ثلاثة لم يكن مسافرًا، والمسافر عن القرية الصغيرة إذا سافر مثل ذلك كان مسافرًا، فعلم أنه لابد أن يقصد بقعة يسافر من مكان إلى مكان فإذا كان ما بين المكانين صحراء لا مساكن فيها يحمل فيها الزاد والمزاد، فهو مسافر، وإن وجد الزاد والمزاد بالمكان الذي يقصده.

وكان عثمان جعل حكم المكان الذي يقصده حكم طريقه. فلابد أن يعدم فيه الزاد والمزاد، وخالفه أكثر علماء الصحابة، وقولهم أرجح، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قصر بمكة عام فتح مكة وفيها الزاد والمزاد، وإذا كانت منى قرية فيها زاد ومزاد فبينها وبين مكة صحراء يكون مسافرًا من يقطعها، كما كان بين مكة وغيرها، ولكن عثمان قد تأول في قصر النبي صلى الله عليه وسلم بمكة أنه كان خائفًا، لأنه لما فتح مكة فتحها والكفار كثيرون، وكان قد بلغه أن هوازن جمعت له، وعثمان يجوز القصر لمن كان بحضرة عدو، وهذا كما يحكى عن عثمان أنه يعني النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمرهم بالمتعة؛ لأنهم كانوا خائفين. وخالفه علي، وعمران بن حصين، وابن عمر، وابن عباس، وغيرهم من الصحابة. وقولهم هو الراجح. فإن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع كان آمنا لا يخاف إلا الله، وقد أمر أصحابه بفسخ الحج / إلى العمرة، والقصر. وقصر العدد إنما هو معلق بالسفر ولكن إذا اجتمع الخوف والسفر، أبيح قصر العدد وقصر الركعات. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ـ هو وعمر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت