فهرس الكتاب
بعده لما صليا بمكة: ـ (يا أهل مكة أتموا صلاتكم، فإنا قوم سفر) ، بين أن الواجب لصلاتهم ركعتين مجرد كونهم سفرًا، فلهذا الحكم تعلق بالسفر ولم يعلقه بالخوف.
فعلم أن قصر العدد لا يشترط فيه خوف بحال. وكلام الصحابة أو أكثرهم في هذا الباب، يدل على أنهم لم يجعلوا السفر قطع مسافة محدودة، أو زمان محدود يشترك فيه جميع الناس، بل كانوا يجيبون بحسب حال السائل، فمن رأوه مسافرًا، أثبتوا له حكم السفر، وإلا فلا.
ولهذا اختلف كلامهم في مقدار الزمان والمكان. فروى وكيع، عن الثوري، عن منصور ابن المعتمر، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: إذا سافرت يومًا إلى العشاء، فإن زدت فاقصر. ورواه الحجاج بن مِنْهال: ثنا أبو عَوَانة، عن منصور بن المعتمر، عن مجاهد، عن ابن عباس. قال: لا يقصر المسافر في مسيرة يوم إلى العتمة إلا في أكثر من ذلك. وروى وكيع، عن شعبة، عن شبيل، عن أبي جمرة الضُّبَعي، قال: قلت لابن عباس: أقصر إلى الأيلة؟ قال: تذهب وتجيء في يوم؟ قلت: نعم. قال: لا، إلا يوم تام. فهنا قد نهى أن يقصر إذا رجع إلى أهله في يوم ـ وهذه مسيرة بريد ـ وأذن في يوم. / وفي الأول نهاه أن يقصر إلا في أكثر من يوم، وقد روى نحو الأول عن عكرمة مولاه، قال: إذا خرجت من عند أهلك فأقصر. فإذا أتيت أهلك فأتمم. وعن الأوزاعي: لا قصر إلا في يوم تام. وروى وكيع، عن هشام بن ربيعة بن الغاز الجُرَشي، عن عطاء بن أبي رباح، قلت لابن عباس: أقصر إلى عرفة؟ قال: لا، ولكن إلى الطائف وعسفان، فذلك ثمانية وأربعون ميلا. وروى ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، قلت لابن عباس: أقصر إلى منى أو عرفة؟ قال: لا، ولكن إلى الطائف أو جدة أو عسفان، فإذا وردت على ماشية لك أو أهل، فأتم الصلاة. وهذا الأثر قد اعتمده أحمد والشافعي. قال ابن حزم: من عسفان إلى مكة بسير الخلفاء الراشدين اثنان وثلاثون ميلا. قال: وأخبرنا الثقاة: أن من جدَّة إلى مكة أربعين ميلًا.
قلت: نهيه عن القصر إلى منى وعرفة قد يكون لمن يقصد ذلك لحاجة ويرجع من يومه إلى مكة حتى يوافق ذلك ما تقدم من الروايات عنه. ويؤيد ذلك أن ابن عباس لا يخفي عليه أن أهل مكة كانوا يقصرون خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر في الحج إذا خرجوا إلى عرفة ومزدلفة ومنى، وابن عباس من أعلم الناس بالسنة، فلا يخفي عليه مثل ذلك، وأصحابه المكيون كانوا يقصرون في الحج / إلى عرفة ومزدلفة، كطاووس وغيره. وابن عيينة نفسه الذي روى هذا الأثر عن ابن عباس، كان يقصر إلى عرفة في الحج. وكان أصحاب ابن عباس كطاووس يقول أحدهم: أتري الناس ـ يعني أهل مكة ـ صلوا في الموسم خلاف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وهذه حجة قاطعة. فإنه من المعلوم أن أهل مكة لما حجوا معه كانوا خلقًا كثيرًا، وقد خرجوا معه إلى منى يصلون خلفه، وإنما صلى بمنى أيام منى قصرًا، والناس كلهم يصلون خلفه ـ أهل مكة وسائر المسلمين ـ لم يأمر أحدًا منهم أن يتم صلاته، ولم ينقل ذلك أحد لا بإسناد صحيح ولا ضعيف. ثم أبو بكر وعمر بعده كانا يصليان في الموسم بأهل مكة وغيرهم كذلك ولا يأمران أحدًا بإتمام، مع أنه قد صح عن عمر بن الخطاب أنه لما صلى بمكة قال: يا أهل مكة، أتموا صلاتكم. فإنا قوم سفر، وهذا مروى عن النبي صلى الله عليه وسلم في أهل مكة عام الفتح لا في حجة الوداع. فإنه في حجة الوداع لم يكن يصلى في مكة، بل كان يصلى بمنزله، وقد رواه أبو داود وغيره، وفي إسناده مقال.
والمقصود أن من تدبر صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة ومزدلفة ومنى بأهل مكة وغيرهم، وأنه لم ينقل مسلم قط عنه أنه أمرهم بإتمام، علم قطعًا أنهم كانوا يقصرون خلفه، وهذا من العلم العام الذي لا يخفي على ابن عباس ولا غيره. ولهذه لم يعلم أحد من الصحابة أمر أهل مكة أن / يتموا خلف الإمام إذا صلى ركعتين، فدل هذا على أن ابن عباس إنما أجاب به من سأله إذا سافر إلى منى أو عرفة سفرًا لا ينزل فيه بمنى وعرفة، بل يرجع من يومه، فهذا لا يقصر عنده؛ لأنه قد بين أن