فهرس الكتاب
من ذهب ورجع من يومه لا يقصر، وإنما يقصر من سافر يومًا، ولم يقل: مسيرة يوم، بل اعتبر أن يكون السفر يومًا، وقد استفاض عنه جواز القصر إلى عسفان. وقد ذكر ابن حزم أنها اثنان وثلاثون ميلا، وغيره يقول: أربعة برد ثمانية وأربعون ميلًا.
والذين حدوها ثمانية وأربعين ميلًا، عمدتهم قول ابن عباس وابن عمر، وأكثر الروايات عنهم تخالف ذلك، فلو لم يكن إلا قولهما، لم يجز أن يؤخذ ببعض أقوالهما دون بعض، بل إما أن يجمع بينهما، وإما أن يطلب دليل آخر. فكيف والآثار عن الصحابة أنواع أخر؟! ولهذا كان المحددون بستة عشر فرسخًا من أصحاب مالك والشافعي وأحمد، إنما لهم طريقان: بعضهم يقول: لم أجد أحدًا قال بأقل من القصر فيما دون هذا ـ فيكون هذا إجماعًا. وهذه طريقة الشافعي. وهذا ـ أيضًا ـ منقول عن الليث بن سعد. فهذان الإمامان بينا عذرهما أنهما لم يعلما من قال بأقل من ذلك، وغيرهما قد علم من قال بأقل من ذلك.
والطريق الثانية: أن يقولوا هذا قول ابن عمر وابن عباس ولا مخالف لهما من الصحابة فصار إجماعًا. وهذا باطل؛ فإنه نقل عنهما / هذا وغيره، وقد ثبت عن غيرهما من الصحابة ما يخالف ذلك.
وثم طريقة ثالثة سلكها بعض أصحاب الشافعي وأحمد وهي أن هذا التحديد مأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه ابن خزيمة في [مختصر المختصر] عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يا أهل مكة لا تقصروا في أقل من أربعة برد من مكة إلى عسفان) . وهذا ما يعلم أهل المعرفة بالحديث أنه كذب على النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن هو من كلام ابن عباس. أَفَتَرَي رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما حد مسافة القصر لأهل مكة دون أهل المدينة التي هي دار السنة والهجرة والنصرة ودون سائر المسلمين؟ وكيف يقول هذا وقد تواتر عنه أن أهل مكة صلوا خلفه بعرفة ومزدلفة ومنى، ولم يحد النبي صلى الله عليه وسلم قط السفر بمسافة، لا بريد ولا غير بريد ولا حدها بزمان.
ومالك قد نقل عنه أربعة بُرُد، كقول الليث والشافعي وأحمد، وهو المشهور عنه. قال: فإن كانت أرض لا أميال فيها، فلا يقصرون في أقل من يوم وليلة للثقل. قال: وهذا أحب ما تقصر فيه الصلاة إلى. وقد ذكر عنه: لا قصر إلا في خمسة وأربعين ميلًا فصاعدًا. وروى عنه: لا قصر إلا في اثنين وأربعين ميلًا فصاعدًا وروى عنه: لا قصر إلا في أربعين ميلًا فصاعدا وروى عنه إسماعيل بن أبي أويس: / لا قصر إلا في ستة وأربعين ميلًا قصدًا. ذكر هذه الروايات القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتابه [المبسوط] ورأي لأهل مكة خاصة أن يقصروا الصلاة في الحج خاصة إلى منى فما فوقها، وهي أربعة أميال. وروى عنه ابن القاسم أنه قال ـ فيمن خرج ثلاثة أميال كالرعاء وغيرهم فتأول فأفطر في رمضان ـ: لا شيء عليه إلا القضاء فقط، وروى عن الشافعي أنه لا قصر في أقل من ستة وأربعين ميلًا بالهاشمي.
والآثار عن ابن عمر أنواع. فروى محمد بن المثني: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان الثوري، سمعت جَبَلَة بن سحيم يقول: سمعت ابن عمر يقول: لو خرجت ميلا لقصرت الصلاة. وروى ابن أبي شيبة: حدثنا وكيع، حدثنا مِسْعَر، عن مُحَارب بن زياد، سمعت ابن عمر يقول: إني لأسافر الساعة من النهار فأقصر يعني الصلاة. محارب قاضي الكوفة من خيار التابعين، أحد الأئمة، ومِسْعَر أحد الأئمة. وروى ابن أبي شيبة: حدثنا على بن مُسْهِر، عن أبي إسحاق الشيباني، عن محمد بن زيد بن خليدة، عن ابن عمر قال: تقصر الصلاة في مسيرة ثلاثة أميال. قال ابن حزم: محمد بن زيد هو طائي ولاه محمد بن أبي طالب القضاء بالكوفة، مشهور من كبار التابعين.