فهرس الكتاب
الصيام والإتمام على هذا، هو الذي يقال: إنه لا دليل عليه، بل هو مخالف للشرع، فإن هذه حال النبي صلى الله عليه وسلم بمكة في غزوة الفتح، وفي حجة الوداع، وحاله بتبوك، بل وهذه حال جميع الحجيج الذين يقدمون مكة ليقضوا مناسكهم ثم يرجعوا. وقد يقدم الرجل بمكة رابع ذي الحجة، وقد يقدم قبل ذلك بيوم أو أيام، وقد يقدم بعد ذلك، وهم كلهم مسافرون لا تجب عليهم جمعة ولا إتمام. والنبي صلى الله عليه وسلم قدم صبح رابعة من ذي الحجة وكان يصلى ركعتين، لكن من أين لهم أنه لو قدم صبح ثالثة وثانية كان يتم ويأمر أصحابه بالإتمام؟! ليس في قوله وعمله ما يدل على ذلك.
ولو كان هذا حدًا فاصلًا بين المقيم والمسافر؛ لبينه للمسلمين كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ} [التوبة: 115] . والتمييز بين المقيم والمسافر بنية أيام معدودة يقيمها ليس هو أمرًا معلومًا لا بشرع ولا لغة ولا عرف. وقد رخص النبي صلى الله عليه وسلم للمهاجر أن يقيم بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثًا، والقصر في هذا جائز عند الجماعة، وقد سماه إقامة، ورخص للمهاجر أن يقيمها، فلو أراد المهاجر أن يقيم أكثر من ذلك بعد قضاء النسك، لم يكن / له ذلك، وليس في هذا ما يدل على أن هذه المدة فرق بين المسافر والمقيم بل المهاجر ممنوع أن يقيم بمكة أكثر من ثلاث بعد قضاء المناسك.
فعلم أن الثلاث مقدار يرخص فيه فيما كان محظور الجنس. قال صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج) . وقال: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث) وجعل ما تحرم المرأة بعده من الطلاق ثلاثًا، فإذا طلقها ثلاث مرات، حرمت عليه حتى تنكح زوجًا غيره؛ لأن الطلاق في الأصل مكروه، فأبيح منه للحاجة ما تدعو إليه الحاجة وحرمت عليه بعد ذلك إلى الغاية المذكورة، ثم المهاجر لو قدم مكة قبل الموسم بشهر، أقام إلى الموسم، فإن كان لم يبح له إلا فيما يكون سفرًا، كانت إقامته إلى الموسم سفرًا فتقصر فيه الصلاة.
وأيضًا، فالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قدموا صبح رابعة من ذي الحجة فلو أقاموا بمكة بعد قضاء النسك ثلاثًا، كان لهم ذلك، ولو أقاموا أكثر من ثلاث، لم يجز لهم ذلك، وجاز لغيرهم أن يقيم أكثر من ذلك، وقد أقام المهاجرون مع النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح قريبًا من عشرين يومًا بمكة ولم يكونوا بذلك مقيمين إقامة خرجوا بها عن السفر، ولا كانوا ممنوعين؛ لأنهم كانوا مقيمين لأجل تمام / الجهاد، وخرجوا منها إلى غزوة حنين؛ وهذا بخلاف من لا يقدم إلا للنسك فإنه لا يحتاج إلى أكثر من ثلاث. فعلم أن هذا التحديد لا يتعلق بالقصر ولا بتحديد السفر.
والذين حدوا ذلك بأربعة: منهم من احتج بإقامة المهاجر وجعل يوم الدخول والخروج غير محسوب. ومنهم من بني ذلك على أن الأصل في كل من قدم المصر أن يكون مقيمًا يتم الصلاة، لكن ثبتت الأربعة بإقامة النبي صلى الله عليه وسلم في حجته، فإنه أقامها وقصر. وقالوا في غزوة الفتح وتبوك أنه لم يكن عزم على إقامة مدة؛ لأنه كان يريد عام الفتح غزو حنين، وهذا الدليل مبني على أنه من قدم المصر فقد خرج عن حد السفر، وهو ممنوع، بل هو مخالف للنص والإجماع والعرف. فإن التاجر الذي يقدم ليشتري سلعة أو يبيعها ويذهب، هو مسافر عند الناس. وقد يشتري السلعة ويبيعها في عدة أيام، ولا يحد الناس في ذلك حدًا.
والذين قالوا: يقصر إلى خمسة عشر قالوا: هذا غاية ما قيل، وما زاد على ذلك فهو مقيم بالإجماع، وليس الأمر كما قالوه، وأحمد أمر بالإتمام فيما زاد على الأربعة احتياطًا، واختلفت الرواية عنه إذا نوي إقامة إحدي وعشرين هل يتم أو يقصر؟ لتردد الاجتهاد في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الرابع، فإن كان صلى الفجر بمبيته وهو / ذو طوي، فإنما صلى بمكة عشرين صلاة، وإن