الصفحة 393 من 1087

الحمد للّه، وجود الجن ثابت بكتاب اللّه، وسنة رسوله، واتفاق سلف الأمة، وأئمتها. وكذلك دخول الجني في بدن الإنسان ثابت باتفاق أئمة أهل السنة والجماعة، قال اللّه تعالي: {الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} [البقرة: 275] وفي / الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجري الدم) . وقال عبد اللّه بن الإمام أحمد بن حنبل: قلت لأبي: إن أقواما يقولون: إن الجني لا يدخل في بدن المصروع، فقال: يا بني يكذبون، هذا يتكلم على لسانه.

وهذا الذي قاله أمر مشهور، فإنه يصرع الرجل فيتكلم بلسان لا يعرف معناه، ويضرب على بدنه ضربا عظيما لو ضرب به جمل لأثر به أثرًا عظيما. والمصروع مع هذا لا يحس بالضرب، ولا بالكلام الذي يقوله. وقد يجر المصروع، وغير المصروع، ويجر البساط الذي يجلس عليه، ويحول آلات، وينقل من مكان إلى مكان، ويجري غير ذلك من الأمور من شاهدها، أفادته علمًا ضروريا، بأن الناطق على لسان الإنسي، والمحرك لهذه الأجسام جنس آخر غير الإنسان.

وليس في أئمة المسلمين من ينكر دخول الجني في بدن المصروع وغيره، ومن أنكر ذلك وادعي أن الشرع يكذب ذلك، فقد كذب على الشرع، وليس في الأدلة الشرعية ما ينفي ذلك.

وأما معالجة المصروع بالرقى والتعوذات، فهذا على وجهين:

/فإن كانت الرقى والتعاويذ مما يعرف معناها، ومما يجوز في دين الإسلام أن يتكلم بها الرجل، داعيًا للّه، ذاكرًا له، ومخاطبًا لخلقه، ونحو ذلك ـ فإنه يجوز أن يرقى بها المصروع، ويعوذ، فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه أذن في الرقى، ما لم تكن شركا. وقال: (من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل) .

وإن كان في ذلك كلمات محرمة مثل أن يكون فيها شرك، أو كانت مجهولة المعنى، يحتمل أن يكون فيها كفر، فليس لأحد أن يرقى بها ولا يعزم، ولا يقسم. وإن كان الجني قد ينصرف عن المصروع بها، فإن ما حرمه اللّه ورسوله ضرره أكثر من نفعه، كالسيما وغيرها من أنواع السحر. فإن الساحر السيماوي وإن كان ينال بذلك بعض أغراضه، كما ينال السارق بالسرقة بعض أغراضه، وكما ينال الكاذب بكذبه وبالخيانة بعض أغراضه، وكما ينال المشرك بشركه وكفره بعض أغراضه، وهؤلاء وإن نالوا بعض أغراضهم بهذه المحرمات، فإنها تعقبهم من الضرر عليهم في الدنيا والآخرة أعظم مما حصلوه من أغراضهم.

فإن اللّه بعث الرسل بتحصيل المصالح، وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فكل ما أمر اللّه به ورسوله، فمصلحته راجحة على مفسدته، ومنفعته راجحة على المضرة. وإن كرهته النفوس. كما قال تعالي: {كُتِبَ عليكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} الآية [البقرة: 216] فأمر بالجهاد وهو مكروه للنفوس، لكن مصلحته ومنفعته راجحة على ما يحصل للنفوس من ألمه، بمنزلة من يشرب الدواء الكريه لتحصل له العافية، فإن مصلحة حصول العافية له راجحة على ألم شرب الدواء. وكذلك التاجر الذي يتغرب عن وطنه، ويسهر، ويخاف، ويتحمل هذه المكروهات، مصلحة الربح الذي يحصل له راجحة على هذه المكاره. وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات) . وقد قال تعالي في حق الساحر: {وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} [طه: 69] ، وقال تعالي: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ} إلى قوله: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 102] . فبين سبحانه أن هؤلاء يعلمون أن الساحر ما له في الآخرة من نصيب. وإنما يطلبون بذلك بعض أغراضهم في الدنيا. {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّه خَيْرٌ لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 103] . آمنوا واتقوا بفعل ما أمر اللّه به، وترك ما نهى اللّه عنه، لكان ما يأتيهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت