الصفحة 396 من 1087

وأيضًا، فهؤلاء الجند ليسوا كالأجراء، وإنما هم جند الله يقاتلون في سبيل الله عباده، ويأخذون هذه الأرزاق من بيت المال ليستعينوا بها على الجهاد، وما يأخذونه ليس ملكًا للسلطان، وإنما هو مال الله يقسمه ولي الأمر بين المستحقين، فمن جعلهم كالأجراء جعل جهادهم لغير الله. وقد جاء في الحديث: (مثل الذين يغزون من أمتي، ويأخذون ما يعطونه مثل أم موسي ترضع ابنها، وتأخذ أجرها) .

فَصْل

وأما الكحل والحقنة وما يقطر في إحليله، ومداواة المأمومة والجائفة، فهذا مما تنازع فيه أهل العلم، فمنهم من لم يفطر بشيء من ذلك، ومنهم من فطر بالجميع لا بالكحل، ومنهم من فطر بالجميع لا بالتقطير، ومنهم من لم يفطر بالكحل ولا بالتقطير ويفطر بما سوي ذلك.

/والأظهر أنه لا يفطر بشيء من ذلك؛ فإن الصيام من دين المسلمين الذي يحتاج إلى معرفته الخاص والعام، فلو كانت هذه الأمور مما حرمها الله ورسوله في الصيام، ويفسد الصوم بها لكان هذا مما يجب على الرسول بيانه، ولو ذكر ذلك لعلمه الصحابة وبلغوه الأمة كما بلغوا سائر شرعه، فلما لم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك لا حديثًا صحيحًاولا ضعيفًا ولا مسندًا ولا مرسلًا علم أنه لم يذكر شيئًا من ذلك. والحديث المروي في الكحل ضعيف رواه أبو داود في السنن ولم يروه غيره ولا هو في مسند أحمد ولا سائر الكتب المعتمدة. قال أبو داود: حدثنا النفيلي، ثنا علي بن ثابت، حدثني عبد الرحمن بن النعمان، ثنا معبد بن هودة، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه أمر بالإثمد المروح عند النوم. وقال: (ليتقه الصائم) . قال أبو داود: وقال يحيي بن معين: هذا حديث منكر. قال المنذري وعبد الرحمن: قال يحيي بن معين: ضعيف. وقال أبو حاتم الرازي: هو صدوق، لكن من الذي يعرف أباه وعدالته وحفظه؟!

وكذلك حديث معبد قد عورض بحديث ضعيف، وهو ما رواه الترمذي بسنده عن أنس ابن مالك قال: جاء رجل إلى النبي/ صلى الله عليه وسلم فقال: اشتكيت عيني أفأكتحل وأنا صائم؟ قال: (نعم) . قال الترمذي: ليس بالقوي، ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب شيء. وفيه أبو عاتكة. قال البخاري: منكر الحديث.

والذين قالوا: إن هذه الأمور تفطر كالحقنة ومداواة المأمومة والجائفة لم يكن معهم حجة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ذكروا ذلك بما رأوه من القياس، وأقوي ما احتجوا به قوله: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا) . قالوا: فدل ذلك على أن ما وصل إلى الدماغ يفطر الصائم إذا كان بفعله، وعلى القياس كل ما وصل إلى جوفه بفعله من حقنة وغيرها، سواء كان ذلك في موضع الطعام والغذاء أو غيره من حشو جوفه.

والذين استثنوا التقطير قالوا: التقطير لا ينزل إلى جوفه، وإنما يرشح رشحًا، فالداخل إلى إحليله كالداخل إلى فمه وأنفه.

والذين استثنوا الكحل قالوا: العين ليست كالقبل والدبر، ولكن هي تشرب الكحل كما يشرب الجسم الدهن والماء.

والذين قالوا: الكحل يفطر، قالوا: إنه ينفذ إلى داخله حتي يتنخمه /الصائم؛ لأن في داخل العين منفذًا إلى داخل الحلق.

وإذا كان عمدتهم هذه الأقيسة ونحوها لم يجز إفساد الصوم بمثل هذه الأقيسة لوجوه:

أحدها: أن القياس وإن كان حجة إذا اعتبرت شروط صحته، فقد قلنا في الأصول: إن الأحكام الشرعية كلها بينتها النصوص ـ أيضًا، وإن دل القياس الصحيح على مثل ما دل عليه النص دلالة خفية، فإذا علمنا بأن الرسول لم يحرم الشيء ولم يوجبه علمنا أنه ليس بحرام ولا واجب،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت