الصفحة 395 من 1087

الحمد لله، نعم قد جاءت الآثار بتلاقيهم، وتساؤلهم وعرض أعمال الأحياء على الأموات. كما روي ابن المبارك عن أبي أيوب الأنصاري: قال: (إذا قبضت نفس المؤمن تلقاها الرحمة من عباد الله، كما يتلقون البشير في الدنيا، فيقبلون عليه ويسألونه، فيقول بعضهم لبعض: أنظروا أخاكم يستريح، فإنه كان في كرب شديد. قال: فيقبلون عليه، ويسألونه ما فعل فلان وما فعلت فلانة، هل تزوجت) الحديث.

وأما علم الميت بالحي إذا زاره، وسلم عليه، ففي حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عيه وسلم ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه، إلا عرفه، ورد عليه السلام. قال ابن المبارك: ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وصححه عبد الحق صاحب الأحكام.

/وأما ما أخبر الله به من حياة الشهيد، ورزقه، وما جاء في الحديث الصحيح من دخول أرواحهم الجنة، فذهب طوائف إلى أن ذلك مختص بهم دون الصديقين، وغيرهم. والصحيح الذي عليه الأئمة، وجماهير أهل السنة: أن الحياة، والرزق، ودخول الأرواح الجنة، ليس مختصًا بالشهيد. كما دلت على ذلك النصوص الثابتة، ويختص الشهيد بالذكر، لكون الظان يظن أنه يموت، فينكل عن الجهاد، فأخبر بذلك ليزول المانع من الإقدام على الجهاد، والشهادة.

كما نهي عن قتل الأولاد خشية الإملاق؛ لأنه هو الواقع. وإن كان قتلهم لا يجوز مع عدم خشية الإملاق.

فصل

وكل من نبت الزرع على ملكه، فعليه زكاته، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ} الآية [البقرة: 267] وسواء كانت الأرض ملكًا له، أو استأجرها، أو أقطعها له الإمام، يستغل منفعتها، أو استعارها، أو كانت موقوفة عليه.

قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم، على أن كل أرض أسلم أهلها عليها، قبل قهرهم، أنها لهم، وأن عليهم فيما زرعوا فيها الزكاة. فأرض الصلح كما قال. وكذلك أرض العنوة، إذا /كان عليها خراج أدي الخراج، وزكي ما بقي.

فمن استأجر أرضًا للزرع، فعليه الزكاة، عند جمهور العلماء: كمالك والشافعي، وأحمد، وأبي يوسف، ومحمد. وكذلك المقطعين عليهم العشر، فإن كان الزرع كله له، وهو يعطي الفلاح أجره، فعليه العشر كله، وإن كان الزرع مقاسمة نصفه أو ثلثه للفلاح، ونصفه أو ثلثه للمقطع، فعلى كل منهما عشر نصيبه، فإن الزرع نبت على ملكه وهذا قول علماء الإسلام.

وقد كان الصحابة يأخذ منهم النبي صلى الله عليه وسلم العشر يعطيه لمستحقيه، ويأمرهم أن يجاهدوا بما يبقي من أموالهم، فإذا كان الجند قد أعطوا من بيت المال ما يجاهدون به، كان أولى أن يعطوا عشره، فمن أقطعه الإمام أرضًا للاستغلال والجهاد إذا استغلها، ونبت الزرع على ملكه في أرض عشرية، فما يقول عالم: إنه لا عشر عليه.

وقد تنازع العلماء، فيمن استحق منفعة الأرض بعوض، كالمستأجر لها بدراهم، أو بخدمة نفسه، ونحو ذلك. فجمهورهم يقول: عليه العشر، وهو قول صاحبي أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد. وأما أبو حنيفة فإنه يقول: العشر على رب الأرض.

فهؤلاء المقطعون إذا قدر أنهم استؤجروا بمنفعة الأرض، فبذلوا /خدمة أنفسهم، كان عليهم العشر عند الجمهور، وعلى القول الآخر على الذي استأجرهم. فمن قال: إن العشر الذي أوجبه الله لمستحقي الصدقات يسقط، فقد خالف الإجماع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت